-->
U3F1ZWV6ZTI2MjQxODU1MTI2X0FjdGl2YXRpb24yOTcyODQwMTM4MDQ=
recent
آخر المستجدات

المحاضرة الخامسة في مادة أصول الفقه د.بوكطي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد :

بعدما رأينا في المحاضرة السابقة الدليل الأول: "القرآن الكريم"، سننتقل الآن إلى دراسة الدليل الثاني: وهو "السنة" .

أولا : تعريف السنة:
لابد أن نميز بين تعريف السنة عند اهل الحديث وعند السادة الأصوليين؛ فأهل الحديث يعرفون السنة بأنها: ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل او تقرير او صفة خلقية أو صفة خلقية.
اما السادة الاصوليين فعرفوها بانها: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه=فجعلوها كالندب(مثل ركعتي الفجر وصلاة الوتر الخ).

الفرق بين السنة والحديث:
السنة هي قول او فعل او تقرير النبي صلى الله عليه وسلم اما الحديث فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم فقط عند الجمهور-فتكون السنة اعم من الحديث-فكل حديث سنة ولاعكس.
وقول آخر: ان الحديث:ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة.
أما السنة:ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقط.
وتطلق السنة كذلك على ما ينافي البدعة،فالسنة هنا الطريقة المنجية المتبعة التي اقرها الشرع.
والسؤال الذي يطرح نفسه ، هل كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول او فعل او تقرير يجب العمل به؟ ام لا؟؟
والجواب لا طبعا
-1
ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة من الاقوال او الأفعال او التقارير فلا يعمل به.
 -2
ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى طبيعته البشرية من قيام وقعود ونوم الخ، إلا اذا قام دليل نص على ان المقصود بذلك هو التشريع عندئذ يعمل به وإلا فلا.
-3
ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى الخبرة البشرية التي استقاها من حياته الخاصة لايعمل به لأنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
-4
الخصوصيات: وهي الامور التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم او فعلها وقام الدليل على انها خاصة به كصيام الوصال أو بأحد من الصحابة.

ثانيا : حجية السنة:

أدلة حجية السنّة :
أولا : دلالة القرآن الكريم على حجية السنة :
وذلك من وجوه :
الأول : قال الله تعالى : " مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ "  ، فجعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته .
ثم قرن طاعته بطاعة رسوله ، قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ "
الثاني : حذر الله عز وجل من مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتوعد من عصاه بالخلود في النار.

قال تعالى : " فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ".
الثالث  : جعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من لوازم الإيمان ، ومخالفته من علامات النفاق ، قال تعالى : " فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا  ".
الرابع :- أمر سبحانه وتعالى عباده بالاستجابة لله والرسول ، قال تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ".
الخامس : - ثم أمرهم سبحانه برد ما تنازعوا فيه إليه ، وذلك عند الاختلاف ، قال تعالى : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ 

ثانياً : دلالة السنة النبوية على حجية السنة :
وذلك من وجوه :
أحدها : ما رواه الترمذي عن أبي رافع وغيره رفعه ( أي : إلى النبي صلى الله عليه وسلم ) قال لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح سنن الترمذي ط. شاكر .
وعن العرباض بن سارية رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر .. الحديث رواه أبو داود كتاب الخراج والإمارة والفيء.

ثالثاً : دلالة الإجماع على حجية السنة :
قال الشافعي رحمه الله : ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدا أُخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قبل خبره ، وانتهى إليه ، وأثبت ذلك سنة .. وصنع ذلك الذين بعد التابعين ، والذين لقيناهم ، كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة ، يحمد من تبعها ، ويعاب من خالفها ، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم إلى اليوم ، وكان من أهل الجهالة .

رابعا: دلالة النظر الصحيح على حجية السنة :
كون النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله ، يقتضي تصديقه في كل ما يخبر به ، وطاعته في كل ما يأمر به ، ومن المُسلَّم به أنه قد أخبر وحكم بأمور زائدة على ما في القرآن الكريم ، فالتفريق بينها وبين القرآن ، في وجوب الالتزام بـها ، والاستجابة لها ، تفريق بما لا دليل عليه ، بل هو تفريق باطل ، فلزم أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم واجب التصديق ، وكذا أمره واجب الـطـاعة .
وقد أجمع الصحابة والتابعين على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والسمع والطاعة له لأن طاعته كطاعة الله.

ثانيا : تقسيم السنة:
تنقسم السنة النبوية من حيث السند إلى قسمين عند الجمهور وهي السنة المتواترة، وسنة آحاد، وعند الحنفية تنقسم إلى ثلاثة أقسام: سنة متواترة، وسنة مشهورة، وسنة آحاد.

السنة المتواترة:
هي ما رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصور الثلاثة الأولى جمع يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب.
وقد عرفه ابن جزي بقوله: "خبر نقله جماعة يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب " اهـ
والضابط في تحديد عدد التواتر هو حصول العلم واليقين، كما عند المحققين من العلماء من دون تحديد عدد معين.

أمثلة عن السنة المتواترة عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
السنن العملية من الوضوء والصلاة والصوم والحج والزكاة والآذان والإقامة ونحوها المعلوم من الدين بالضرورة التي تناقلها الجمع عن الجمع، وكحديث: "من كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"، وحديث: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" إلى آخره وقد جمعها الشيخ أبو عبد الله محمد بن جعفر الكتاني في كتابه: "نظم المتناثر من الحديث المتواتر".
حكم المتواتر: أنه قطعي الثبوت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيفيد العلم واليقين ويُكفر جاحده.

السنة المشهورة:
هي ما رواها عن الرسول صلى الله عليه وسلم عدد لم يبلغ جمع التواتر كواحد أو اثنين، ثم انتشر في القرن الثاني بعد الصحابة، فتناقله جمع التواتر الذين لا يمكن تواطؤهم على الكذب.
أمثلة عن السنة المشهورة عن الرسول صلى الله عليه وسلم: حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، وحديث: "بُني الإسلام على خمس"، وحديث: "لا ضرر ولا ضرار" إلى غيرها من الأحاديث.
الفرق بين السنة المتواترة والسنة المشهورة يكمن في أن الأولى تحقق فيها جمع التواتر في حلقات السند كلها في القرون الثلاثة الأولى. أما السنة المشهورة فلا يتحقق فيها التواتر في الحلقة الأولى فبان الفرق بينهما.
حكم السنة المشهورة: فهي قطعية الثبوت عن الصحابة الذين رووها، ولكنها ليست قطعية الثبوت عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فتفيد الطمأنينة والظن القريب من اليقين، ويُفسق جاحدها.

سنة الآحاد:
وهي: "خبر الواحد أو الجماعة الذين لا يبلغون حد التواتر.
وعرفها القرافي بقوله هي: "خبر العدل أو العدول المفيد للظن.
حكمها: أنها تفيد الظن لا اليقين، يقول ابن جزي الغرناطي عن خبر الآحاد: "وهو لا يفيد العلم، وإنما يفيد الظن"، وهو حجة عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم. لكن مالك قبله بشروط:
ذكرها ابن جزي الغرناطي في تقريب الوصول وهي:
فالصحابة كلهم عدول وتثبت العدالة بالاختبار أو التزكية واختُلِف هل يكفي في التعديل والتجريح واحد أم لا؟ ولا تقبل رواية الفاسق ومجهول الحال..
واختُلِف في قبول رواية المبتدع.
-
خبر الآحاد يجب العمل به مع الشك في ثبوته،وهو يفيد الظن القريب من اليقين.

ومن ادلة العمل بخبر الآحاد من القرآن:
قوله تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً  فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } ، فقد حث الله عز وجل المؤمنين في هذه الآية على أن تنفر من كل فرقة طائفة تقوم بمهمة التفقه والبلاغ ، ولفظ الطائفة يتناول الواحد فما فوقه ، مما يدل على قيام الحجة بخبرها.
ومنها قوله سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا}  ، وفي قراءة {فتثبتوا} (الحجرات: 6) ، فهذه الآية دلت على أن الخبر إذا جاءنا عن الثقة العدل فإن الحجة تقوم بخبره ، ولا يلزمنا التثبت فيه ، وأما الفاسق فهو الذي يجب أن لا نقبل خبره إلا بعد التثبت والتبين.
ومنها قوله سبحانه: { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } (النحل: 43) ، فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر وهم أولو الكتاب والعلم ، وهو يشمل سؤال الواحد والمتعدد ، ولولا أن أخبارهم تقوم بها الحجة لما كان لسؤالهم فائدة.

من الإجماع:
-
وكذلك ان الصحابة كانوا ينقلون الأحكام إلى ذويهم واهليهم ،واتفقوا جميعا على العمل بخبر الآحاد.
القياس:
قاس العلماء خبر الواحد في الحديث على خبر الواحد في القضاء،فالقاضي يحكم بناء على شهادة الرجلين او الرجل وامراتين،وكذلك الامر في الحديث.

شروط العمل بخبر الآحاد:
اشترط العلماء شروطا للعمل بخبر الواحد..هذه الشروط متعلقة بالراوي والمروي حددها اهل الحديث ،وكذلك الصحابة منهم علي بن ابي طالب كان يستحلف الراوي لما فيهم من الغيرة والخوف على الدين ،وقد اشترط المالكية الا يخالف خبر الواحد عمل اهل المدينة.

رابعا : مكانة السنة في التشريع:
للسنة مكانة عظيمة في التشريع الإسلامي، فهي حجة كاملة في ثبوت الأحكام ومصدر شرعي مستقل ،لاتقل مكانة عن القرآن الكريم،فكلا الأمرين من عند الله تعالى ولا تفاوت بينهما ولا تمييز بينهما،فالمسلم مكلف بكل حكم ثبت في السنة بنفس قوة تكليفه بالأحكام الواردة في القرآن الكريم،وانه يثاب على الفعل ويعاقب على الترك.

خامسا :مراتب السنة:
السنة على اربع مراتب:
 -1
إما أن تكون مقرِّرةً ومؤكِّدة حكمًا جاء في القرآن؛ كالأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والنهي عن الشرك بالله، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، وغيرها.
-2وإما أن تكون مبيِّنة ومفصِّلة لحكم جاء في القرآن مجمَلًا؛ كإقامة الصلاة، فقد ورد في القرآن مجملًا من غير تفصيل؛ كما في قوله تعالى: وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ  [الأنعام: 72]، فبيَّنت السنة عدد الصلوات، وعدد الركعات في كل صلاة، وما يُقرأ في كل ركعة، وكيفية التشهد، وأحكام السهو وغير ذلك مما لم نَعرفه إلا عن طريق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي قال: ( صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي )؛ البخاري.
 -3
وإما أن تكون السنة مقيِّدةً لحكم جاء في القرآن مطلقًا؛ كما في قوله تعالى:  وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا  [المائدة: 38]، فَذُكِرت اليد مطلقة، لا ندري أهي اليد اليمنى أم اليسرى؟ وهل تُقطع من الكوع، أم من المرفق، أم من الكتف، إذ كل ذلك يطلق عليه اليد؟! فبيَّنت السُّنةُ أن المراد هو اليد اليمنى، وأنها تقطع من الكوع، وإن عاد للسرقة تقطع رِجله اليسرى؛ قال صلى الله عليه وسلم: (إنْ سرقَ فاقطَعُوا يدَهُ، ثم إن سرقَ فاقطعُوا رِجله)؛ الدارقطني، وهو صحيح.
-4
وإما أن تكون السنة مخصِّصةً حكمًا ورَد في القرآن عامًّا؛ كقوله تعالى:  يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: 11]، فإنه عام في كل أولاد المخاطبين، غير أن السنة استثنت أولاد الأنبياء، فإنهم لا يورثون؛ قال صلى الله عليه وسلم: (لا نُورَثُ؛ ما تَركْنا فهو صدقةٌ)؛ متفق عليه.
-ثم المرتبة الخامسة وهي ان السنة ناسخة وقد اختلف فيه أهل العلم على قولين:
القول الأول:أن الحديث لا ينسخ القرآن ولا ينسخ القرآن الحديث وهو قول الشافعي.
والقول الثاني: أن الحديث ينسخ القرآن والقرآن ينسخ الحديث وهو قول الجمهور.


المحاضرة الخامسة في مادة أصول الفقه د.بوكطي


إعداد : فريق عمل مدونة كلية الشريعة والقانون

أخيراً كان هذا موضوعنا لهذه التدوينة، ننتظر مشاركتنا برأيك حول الموضوع وبإقتراحاتك لنستفيد منها في المواضيع القادمة وإذا كان لديك أي سؤال أو استفسار لا تتردد في طرحه علينا سوف نكون سعداء دائماً بالرد عليك في أقرب وقت إن شاء الله تعالى .


 تحياتي ومودتي ولاتنس الصلاة على النبي 


الاسمبريد إلكترونيرسالة