U3F1ZWV6ZTI2MjQxODU1MTI2X0FjdGl2YXRpb24yOTcyODQwMTM4MDQ=
recent
آخر المستجدات

المحاضرة الرابعة في مادة القواعد الفقهية د.السافري


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه أما بعد :

الاستدلال بالقاعدة الفقهية :
أي أن نتخذ هذه القاعدة حجة , نستدل بها ثم بعد ذلك نترك ما عاداها , وما عادها المقصود به هنا دليل القاعدة الذي تحدثنا عنه سلفا , هل تصلح لهذه القاعدة ان تكون حجة بغض النظر عن أدلتها التي شُرعت أو لا تصلح ,لذلك وقبلنا هذه القاعدة لها مجال آخر ونوافذ أخرى ولكن أن نستدل بها ونترك النص الشرعي هذا موضوع آخر , هل تصلح لأن تكون القاعدة حجة أم لا ؟

إن القاعدة الفقهية التي نقررها ونتكلم عنها ليس هدفنا في ذلك أن نتخذها حجة , والقاعدة لما وُجدت لم توجد لهذا الغرض , وإنما الهدف الذي من أجلها وُجدت وهو هذه الفوائد والتي تكلم عنها بالمناسبة السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر لما قال : اعلم  أن فن الاشباه والنظائر فن عظيم .. ثم بدأ يعدد هذه المحاسن , ومن بين المحاسن الذي ذكرنا أن هذه القاعدة تَنْظِم لنا تلك مجموعة من المفردات والجزئيات في عنوان واحد وفي موضوع واحد , ومن بين المسائل التي قلنا أنها من فوائد هذه القاعدة أنها تمنع الفقيه من أن يقع في التناقض في أحكامه وهكذا وقد استنبطنا منها أيضا فوائد كثيرة , فلو كان موضوع الحجية من بين الاهداف التي من أجلها جاءت به هذه القاعدة لذكرناها فإذن القصد الأساسي من هذه القاعدة ليس حجيتها وإنما أن نعرف فوائدها , أما موضوع الحجية فإذا كانت القاعدة تستند إلى دليل سواء كان هذا من كتاب الله او سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم او استنبطناه عن طريق الاستقراء والاستنباط فإن هذه مما يصلح الاستدلال بها

مثلا الاستدلال بقاعدة : الامور بمقاصدها , لماذا ؟ لأن هذه القاعدة تستند الى قوله صلى الله عليه وسلم : إنما الاعمال بالنيات ويحسن الاستدلال بقاعدة العرف لماذا ؟ لأن العرف معتبر شرعا بكثير من النصوص الشرعية , ويحسن كذلك الاستدلال بقاعدة الضرر لأن الضرر في الشريعة الاسلامية ممنوع بنص القران والسنة وما إلى ذلك  فإذن متى وُجد دليل تستند إليه هذه القاعدة فيصلح الاستدلال بها ولكن إذا كانت هذه القاعدة لا تستند إلى هذا أو ذاك فيضعف دليل هذه القاعدة, نعم قد تكون مقبولة فقد يشهد لها نص او دليل او تعليل او قياس ولكن قد لا ترقى الى اعتبارها قاعدة تستند إلى دليل من أدلة الشرع , وقد قلنا بأن مجموعة من القواعد التي سبق ذكرها هي عبارة عن فوائد و قواعد استفيدت من ثقافات اخرى من كلام أهل التصوف ومن كلام المناطقة فهل يحسن بنا أن نتخذ هذه الاقوال دليلا في مواضيع من مواضيع الفقه ؟ مثلا قاعدة : ومستعجل بالشيء قبل أوانه يعاقب بالحرمان , فقد ارتأى بعض الفقهاء بعد التفتيش ان يدخلوا هذه القاعدة في باب المصلحة  يشهد لها في هذا الموضوع والاستحسان ..الخ , وهذه الادلة معتبرة شرعا وإن لم يكن هناك نص فيها , لأن المصلحة إذا وافقت الشرع او حتى إذا لم يشهد لها الشرع لا بالاعتبار ولا بالا لغاء فهي مصلحة يُقرها الشرع , وكثير من المصالح وجدناها تدخل في هذا الباب وإن كان يرد هناك نص لأن النصوص محدودة وتصرفات البشر وقضاياهم وأحكامهم تتجدد على مر الزمان , إذن هنا يمكن القول بأن القاعدة الفقهية يمكن الاستدلال بها إذ استندت إلى دليل من أدلة الشرع وإن اختلفت في الاستناد لأن الشرع يشمل الأدلة الأصلية والتبعية , ومن هنا نقول كما قال الفقهاء صرحوا بأن القاعدة الفقهية حتى إذا لم يكن لها نص فإنه يُستأنس بها , والدليل على ذلك أنهم خدموا هذه القواعد وهذا في الحقيقة يُعطي انطباعا بتقبلهم لها لأنه بعد أن يؤلف الانسان في قاعدة من القواعد فلسان حاله يقول بأنه يتقبل هذه القواعد ولو لم يُنطق لنا بأن هذه القواعد لابد أن تستند إلى دلائل , فبما أن علمائنا قد كتَبوا   في موضوع القواعد الفقهية فهذا دليل على أنهم يستندون إلى ما يُبين أن هذه القواعد مقبولة عندهم , ينبغي أن نستأنس بها , فالقاعدة إذا عرفنا دليلها فلا يهم نوع الانسان الذي سيُطبقها , فيمكن له أن يستند إلى هذه القاعدة حتى ولو لم يذكر دليلها فمثلا إذا قال إنسان هل لابد للنية في صلاة الجنازة ؟ فالجواب أن الأمور بمقاصدها , إذا لم تكن في صلاة الجنازة فلم تعد هذه صلاة  فلابد من النية ولو كانت من الفروض الكفاية , إذن هذا الانسان الذي نطق بالقاعدة الفقهية وتَلَكَّب سبيل مُنقِّب الحديث الذي هو إنما الاعمال بالنيات هل نقول له لماذا استدللت بالقاعدة ولو تستدل بالنص الشرعي ؟ لا يمكن , والقاضي الذي يستند إلى هذه القواعد في أحكامه هل نلزمه بمعرفة دلائل هذه القاعدة . لا يمكن , لأن هذا الموضوع يحكمه بعض معطيات التخصص , فإذا تعلق الامر بإيجاد الأدلة فهناك فقهاء الذي سيتكلمون في هذا المجال ولكن أحيانا لا يطبق الفقيه هذه القاعدة وإنما الذي يطبقها هو القاضي , والقاضي الذي يطبق يكفي أنْ يعلم أنَّ هذه القواعد لها أدلتها الشرعية الخاصة , كأنها موجزة , من هذا فكلما وقعت في يده قضية من القضايا احتاج لان يستدل لها بقضية من القضايا , فإنه يستدل بهذه القاعدة كمثل قواعد الترجيح بين الادلة فيُقدم في موضوع البينات الاقدم تاريخا والقاعدة تقول المقدَم تاريخا أولى بالتطبيق من المتأخِر فإذا وجدنا عقدا اختلف تاريخ كتابتهما فالأول في القرن 20 والثاني في القرن 21 فالأول مقدم , إذن الترجيح بالتاريخ أو بالعموم والخصوص وبكثير من المسائل , فلا يحتاج القاضي لأن يبحث في أدلة هذه القواعد لأنها هذه أصلا وُجدت وتمكن غيره , كما لا يهمه إن كانت هذه النصوص القانونية التي يُطبقها لها معملة , لها ما تستند إليه فليس مطلوبا منه أن يبحث عن علة هذا النص الذي سيطبقه وإنما ينبغي ان يفهم النص بجملة من الضوابط , إذن فهذا الموضوع الذي يتعلق بالحجية فالأصل فيه أن  القاعدة إذا كان لها ما تستند إليه شرعا فيستدل بها ويُستند إلى أدلتها حتى ولو كانت خارجة عن نطاق القران والسنة بشرط أن تستند إلى المصلحة والاستحسان والعرف ..الخ .

تطور ونشأة القواعد الفقهية
فيما يخص نشأة هذه القواعد فنحن نعرف أن في  كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد لا يُستهان به من القواعد الفقيهة , و أن هذا العلم لم يرتفع بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما بدأ يكبر ويتطور إلى أن وصل إلينا وبطبيعة الحال لابد أن نجد لهذه القواعد أثرا في عصر الصحابة وفي عصر التابعين وفي عصر الائمة الكبار قبل أن يبدأ التأليف .
ففي عصر الصحابة رضوان الله عليهم نجد عبارات موجزة محكمة نطبق بها الخلفاء الراشدون ونجد عند سيدنا عمر رضي الله عنه عدة كلمات اعتُبرت فيما بعد قواعد فنجد مثلا قاعدة : لا عفو في الحدود بعد أن تصل الإمام , بمعنى أن الدعوة إذا صارت عمومية و وصلت إلى النيابة العامة فلا حق لأحد أن يُسقطها  , ونجد عند سيدنا علي قاعدة : من استعان بصغير أو عبد فعنَت فهو ضامن , أي فمن ألحق ضرار فالمستعين ضامن لأن القاصر لا يُستعان به أي لا يُعنت في المسائل التي لا ينبغي أن يُعمل فيها فلا يجب إعماله.
و نجد عند القاضي شُريح قاعدة : لا يُقضى على غائب , أي أن الغائب حجته معه فمن لم يتوصل باستدعاء للمثُول أمام القاضي فلا يُمكن له أن يصدر حكما عليه لأنه لم يتوصل باستدعاء و يحق له أنذاك الطعن في الحكم  .
وقاعدة : كل خلع فهو تطليقة بائنة , لأن الخلع بائن فبه تنقطع الصلة بين الرجل والمرأة .
قاعدة : الشفعة على الرؤوس لا على الأنصبة.
للإمام مالك قاعدة : لا يرث أحدٌ أحداََ بالشك , لأن الشك مانع من موانع الارث.
وقد وُجدت بعض القواعد أيضا لدى الامام الشافعي في رسالته ومن ذلك قاعدة : السكوت وأخواتها ,  وهو أول من قررها.
وقاعدة : الامر إذا ضاق اتسع فهو من قررها أيضا
وأيضا قاعدة : الرخص لا يُتعدى بها موضعها
وقاعدة : منزلة الامام من الرعية منزلة الولي من الإرث , وهذه القاعدة تحقق مصلحة عامة وهو أن الامام لا يحق له أن يحكم وأن يسوس الامة بدافع التشهي بل بما يحقق المصلحة ومُثِّل لذلك بالمصلحة التي تكون في رعاية الولي لأموال المحجور فلا يحق له التصرف في أمواله إلا على وجه المصلحة وإذا لم يكن وليا فلا ينطبق عليه هذا الوصف وهكذا.
ومن القواعد التي قررها الامام الشافعي أيضا  : الحاجة لا تُحق لأحد أن يأخذ مال غيره  .

إذن هذه كوكبة من القواعد التي اختصرناها لأن الحديث عن تتبع هذه القواعد أمر دونه تتقطع أعناق المُطل في كثير من الكلام والمسائل , ونحن فقط قد اقتطفنا جزئيات صغيرة بما يُحقق مصلحة ربط ماضي القواعد في هذا العصر بمتأخَّرها , نريد أن نقول بأن هناك حلقات متواصلة فلا نجد هناك حلقة مُفرَغة , لأن هذا العلم وهذه الدرر استمر النطق و العمل بها حتى في فترة عدم تواجد المؤلفات ولا المصنفات فهي القواعد موجودة والناس يتعاملون بها والدليل على ذلك أن الفقه في حد ذاته سجل لنا كثيرا من هذه العبارات وإن كان لم يُفردها بالمصنفات و التآليف لكن هذا لايعني أن هذه القواعد لا توجد , ومن تم لا بد أن نبحث عن ما ينقصنا في هذا السياق وهو كيف انتقلت هذه القواعد من قواعد مُشتتة وموزعة في الكتب وعلى ألسنة الفقهاء إلى أن تكون تأليفا , هل مجرد صُدفة أن نجد كتابا في هذا الميدان أو لابد أن تكون هناك إرهاصات من وجود هذه التآليف  في هذا الميدان , هل توجد في القرن الثالث إرهاصات لهذه المؤلفات أم لا ؟   نعم بطبيعة الحال وقد سبقت معنا قصة أبي طاهر الدباس وهذه أولى الإرهاصات الموجودة في هذا الميدان وقد كان أبو طاهر الدباس عالما فقيها وإماما وكان له مسجد في مدينة بغداد يؤم الناس هناك وكانت له عادة وهي أنه كلما انفض الجمع عن صلاة العشاء يُغلق الباب ويوصده من الداخل فيجلس في مقصورته ثم يبدأ  ينظم هذه القواعد ويضع لها مفرداتها فيستحضر مفردات كل قاعدة  ثم يضع لها عنوانا ولذلك قالوا بأن قاعدة الشك هي من بينات فكره وهو أول من وضعها, فهذه القاعدة هي موجودة في الأصل فهناك نصوص فيما يتعلق بالشك ولكن وضع القاعدة بمفرداتها على النحو الذي رأيناه فهذا لم نجده قبل ذلك .

يقول السيوطي في الاشباه والنظائر  : أَنَّ بَعْض أَئِمَّة الْحَنَفِيَّة بِهَرَاةَ بَلَغَهُ أَنَّ الْإِمَام أَبَا طَاهِرٍ الدَّبَّاسَ إمَام الْحَنَفِيَّة بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، رَدَّ جَمِيع مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة إلَى سَبْع عَشْرَة قَاعِدَة، فَسَافَرَ إلَيْهِ. وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ، ضَرِيرًا وَكَانَ يُكَرِّرُ كُلَّ لَيْلَةٍ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ بِمَسْجِدِهِ بَعْدَ أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ مِنْهُ فَالْتَفَّ الْهَرَوِيُّ بِحَصِيرٍ، وَخَرَجَ النَّاسُ، وَأَغْلَقَ أَبُو طَاهِرٍ الْمَسْجِدَ وَسَرَدَ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ سَبْعًا، فَحَصَلَتْ لِلْهَرَوِيِّ سَعْلَةٌ فَأَحَسَّ بِهِ أَبُو طَاهِرٍ فَضَرَبَهُ وَأَخْرَجَهُ مَنْ الْمَسْجِد، ثُمَّ لَمْ يُكَرِّرْهَا فِيهِ بَعْد ذَلِكَ، فَرَجَعَ الْهَرَوِيُّ إلَى أَصْحَابه، وَتَلَا عَلَيْهِمْ تِلْكَ السَّبْع. اهـ

وهذه القواعد التي وضعها أبو طاهر الدباس لم نعرف عنها شيئا سوى هذه القصة التي رواها السيوطي في الاشباه والنظائر وقيل أن هذه القواعد التي وضعها الدباس هي أصلا مُضَمَّنة في أصول الكرخي والله أعلم.

والذي يهمنا في هذا السياق ان هذا الرجل هو أول من أثار هذا الموضوع وهو من عمِل على إخراج قواعد الفقه إلى الوجود ولكن للأسف تجربته لم نعرف عنها شيئا , وهذا كان في القرن الثالث الهجري ثم بعد ذلك لما دخل بعد ذلك القرن الرابع برزت فيه مؤلفات وكان أول مؤلَّف في هذا السياق كتاب الأصول لأبي الحسن الكرخي وهو أول باذرة في قواعد الفقه لأن هذا الكتاب وصل إلينا وعرفناه وهو مطبوع مشروح وما إلى ذلك التي ضَمَّن فيها حوالي 39 أصلا وهي عبارة عن قواعد وضوابط .

وأول كتاب نبدأ به في هذا السياق هو كتاب  أصول الكرخي لأبي الحسن الكرخي الحنفي 340 هـ , وأول قاعدة في هذا الكتاب هي قاعدة الشك , اليقين لا يزول بالشك أي أن ما ثبت بيقين لا يزول بالشك أوالأصل أن ما ثبت بيقين لا يزول إلا بيقين وهذه أولى القواعد ,ثم جاء الفقيه عمر النسفي  537 هـ  وخرج عليها كثيرا من التخريجات.

الكتاب الثاني وهو أصول الفتيا والقضاء لمحمد بن حارث للخشني القيرواني التونسي المالكي المتوفى سنة  360 هـ وهو كتاب مطبوع محقق ومن بين الذين حقوه الشيخ العلامة محمد أبو الأجفان التونسي 2006 هـ ثم جاء بعد ذلك أحد أئمة الأحناف يُسمى أبو الليث السمرقندي 373 هـ فألف كتاب تأسيس النظر في المذهب الحنفي وهذا الكتاب مطبوع ومحقق أيضا إلا أن هذا الكتاب فيه إشكال وهو أن هناك كتابا أخر بنفس الاسم لأحد أئمة الأحناف وهو أبو زيد الدبوسي 430 هـ وهو مطبوع ومضمون الكتابين يكاد يكون واحدا ونستبين بأن هذا المتأخر قد اعتمد على الكتاب المتقدم ثم أضاف إليه شيئا لأن تأسيس النظر للدبوسي فيه إضافات ولكن بقي العنون واحدا .

وفي سنة 507 هـ توفي أحد القواعديين المسمى بابن دوست وكتابه للأسف لم نعرف عنه شيئا إلا ما نقله عنه أصحاب التراجم والكشافات في كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لحاجي خليفة وقد يكون من حاجي خليفة 1067 هـ  وَهْما والله أعلم , ونفس الشيء بالنسبة لكتاب القواعد للقاضي عياض حيث نسبها إليه اسماعيل باشا البغدادي 1399 هـ صاحب إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون وهو تذييل على كتاب كشف الظنون ونجد أيضا كتاب هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين وهو تذييل ثان على كتاب كشف الظنون للمؤلف نفسه, إذا فيما يتعلق بقواعد ابن دوست ذكرها حاجي خليفة وفيما يتعلق بقواعد القاضي عياض ذكرها صاحب الايضاح المكنون , لكن لما فتشنا عن هذه المعلومة الذي ذكرها صاحب الإيضاح وجدنا بأنها غير صحيحة , لأن القاضي عياض ليس له كتاب في القواعد بل له كتاب تحت مسمى الاعلام بحدود قواعد الاسلام والدليل على هذا أن مجموعة من الباحثين تناولوه منهم الشيخ عبد الله بن الطاهر وبالتالي فهذا الكتاب الذي ذكره صاحب الايضاح ليس للقاضي عياض وليس في القواعد الفقهية بل في قواعد الاسلام الخمس , و مما ينبغي الإشارة إليه أن صاحب مصادر الفقه المالكي للجزائري ذكر بأن للقاضي عياض كتاب في القواعد الفقهية ثم ذكره بأنه فاسي وهذا خطأ بل هو سبتي مراكشي وبالتالي فإنه لاوجود لكتاب في القواعد الفقهية للقاضي عياض والله أعلم .

وأيضا من المؤلفين في هذا القرن أحدهم يُسمى بعلاء الدين السمرقندي 539 هـ الذي له كتاب إيضاح القواعد الفقهية في المذهب الحنفي وهذا الكتاب كل ما نعرف عنه  أنه موجود في كتب الكشافات , وبهذا نُغلق لائحة القرن السادس بهذه الكتب الثلاثة لننتقل إلى القرن السابع الهجري فنجد أنه أيضا قد ألفت مؤلفات في مجال القواعد الفقهية , في بدايتها يوجد أحدهم يُسمى بأبي حامد الجاجرمي الشافعي 613 هـ في كتابه القواعد في فروع الشافعية وهذا أيضا لم نجده لحد الآن , يليه في الترتيب كتاب قواعد الأحكام في مصالح الانام ويليه كتاب الفوائد في اختصار المقاصد كلاهما لعز الدين بن عبد السلام الشافعي سلطان العلماء 660 هـ وفيه قواعد كثيرة , وفي آخر هذا القرن ظهر الإمام شهاب الدين القرافي المصري المالكي 684 هـ في كتابه أنوار البروق في أنواء الفروق ويُسمى اختصارا بالفروق ويُعتبر هذا الكتاب الثاني في المذهب المالكي ولذلك فإن الفقهاء تكملوا على كتابه ونبهوا إلى أهميته حتى اختلفت أنظارهم حوله  فمنهم من خرَّج قواعده ومنهم من تعقب بعض المسائل الموجودة فيه , ومنهم من هذبه وهكذا ككتاب إدرار الشروق في أنوار البروق لابن الشاط 723هـ  هذا كتاب مهم تعقب فيه الإمام القرافي وكتاب تهذيبات حول الكتاب وكذلك محمد ابن حسين المكي 1367هـ الذي وضع كتاب تهذيب الفروق , ولا زال هذا الكتاب مصدر إلهام للكتب إلى هذا العصر , إذ يحتوي على أكثر 1000 قاعدة وحوالي 82 فرقا.

ويُبين لنا هذا التقسيم الذي عمد إليه الإمام القرافي إلى أن له هوس في تنظيم مواد هذا الكتاب على طريقته و لم يُنظمه بالطريقة الفقهية وبهذا ينتهي هذا القرن لننتقل إلى القرن الثامن الذي نجد في صدارته أيضا بعض المؤلفين من بينهم صلاح الدين بن الوكيل 716 هـ له كتاب الأشباه والنظائر في القواعد الفقهية في المذهب الشافعي وفي عصره أيضا ألف نجم الدين أبو الربيع سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الفقيه الحنبلي وُلد سنة 670 هـ و توفي سنة 716 هـ , له القواعد الصغرى والكُبرى في القواعد الفقهية وممن يُنسب له أن هذين الكتابين أيضا غير موجودين إلى الآن, ومما يدل على انها موجودة أن صاحب كشف الظنون وايضاح المكنون وهدية العارفين ومعجم المؤلفين وغيرهم تكلموا عن وجودها , و مما ينبغي أن نُشير إليه في هذا السياق هو كتاب شيخ الاسلام ابن تيمية الإمام الحنبلي 728 هـ المسمى بالقواعد النُورانية وهو مطبوع محقق قام بتحقيقه محمد حامد الفقي 1959 هـ ولكن هذا العنوان الذي وضعه المحقق لهذا الكتاب هو عنوان مستعار لأن شيخ الاسلام ابن تيمية لم يضع لكتابه هذا العنوان وإنما وجد المحقق في مخطوطة من المخطوطات التي ظفِر بها في إحدى الخزانات في ورقة من اوراقها " القواعد النورانية " فقام بعد تحقيق هذا الكتاب بإضافة هذا العنوان إلى هذا الكتاب لأنه هناك من حقق هذا الكتاب تحت اسم : القواعد الكلية لشيخ الاسلام ابن تيمية , هذا من حيث العنوان والتحقيق أما المضمون فهو أيضا مما لابد أن نقول فيه كلاما وهو أن هذا الكتاب وإن كان له هذا العنوان المغري الذي نستفيد بأن فيه قواعد فهو يحوي أيضا نظريات فقهية في العبادات والمعاملات الخ فلا نقول بأنه كتاب قواعد فقه كما مر معنا من كتب القواعد ولكن بما أن أصحاب الكشافات الذين تكلموا عن القواعد ارتأو أن يضعوه ضمن قواعد الحنابلة فقد أوردناه هنا .

ننتقل إلى مؤَلف آخر وهو كتاب المُذهب في ضبط قواعد أو مسائل المذهب لمحمد بن عبد الله بن راشد القَفْصِي 736 هـ في المذهب المالكي  وهو مطبوع محقق قام بتحقيقه الدكتور محمد أبو الأجفان صاحب التحقيقات النفيسة العظيمة , وفي هذا العصر أيضا ألف العلامة أبو عبد الله المَقْري الجد 785 هـ كتابه المسمى بالقواعد وليس صاحب نفح الطيب أبو العباس المقري 1041 هـ فتنبه , وقد حققه الدكتور احمد بن عبد الله بن حميد وتصدى لتحقيق جزئين منه فقط , ثم بعد ذلك جاء باحث مغربي قام بتسجيل بقية الأجزاء في دار الحديث الحسنية وبالتالي فهذا الكتاب موجود مطبوع محقق .


المحاضرة كاملة على بي دي إف :




المحاضرة الرابعة في مادة القواعد الفقهية د.السافري 2020



إعداد : فريق عمل مدونة كلية الشريعة والقانون

أخيراً كان هذا موضوعنا لهذه التدوينة، ننتظر مشاركتنا برأيك حول الموضوع وبإقتراحاتك لنستفيد منها في المواضيع القادمة وإذا كان لديك أي سؤال أو استفسار لا تتردد في طرحه علينا سوف نكون سعداء دائماً بالرد عليك في أقرب وقت إن شاء الله تعالى .


 تحياتي ومودتي ولاتنس الصلاة على النبي 
الاسمبريد إلكترونيرسالة