-->
U3F1ZWV6ZTI2MjQxODU1MTI2X0FjdGl2YXRpb24yOTcyODQwMTM4MDQ=
recent
آخر المستجدات

المحاضرة الثالثة في مادة أصول الاجتهاد والفتوى د.الوردي 2020


الحمد لله رب العالمين والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد :
حكم الاجتهاد :
والأصل فيه انه يدخل ضمن فروض الكفايات اي أنه لا يلزم الناس ككل بالاجتهاد وإنما الذي يلزم بالاجتهاد وواجب عليه هو من توفرت فيه شروط الاجتهاد، غير أن النظر الى بعض الأحوال استخلص العلماء في ظلها ان الاجتهاد بالنظر الى حكمه قد يخرج على الإطار العام الذي هو " أنه من فروض الكفايات " إلى وضع آخر باعتبار أن هذا الاجتهاد قد يكون واجبا وجوبا عينيا او كفائيا أو مندوبا مستحبا , وهناك حالات قد يكون فيها الاجتهاد محرما، وهناك من يقول أن الاجتهاد قد يكون مكروها إذا تعلق الأمر بقضايا بعيدة كل البعد عن ما يمكن أن يطرأ على حياة الانسان.

أولا : الوجوب
وهذا الوجوب إما أن يكون وجوبا عينيا أو واجبا وجوبا كفائيا :
1- يكون الاجتهاد واجبا وجوبا عينيا أي يكون المجتهد ملزما بالاجتهاد، في حالتين :
الحالة الأولى : اجتهاد المجتهد في حق نفسه :
إذا نزلت حادثة سواء كانت في عباداته او معاملاته، فيكون ملزما بأن يجتهد وينظر في المسألة بنفسه ولنفسه ، ولا يجوز له أن يقلد غيره في حق نفسه ولا في حق غيره.
الحالة الثانية: اجتهاده في حق غيره :
بمعنى ان هذا الغير قد يكون فردا او جماعة، في حالة اذا كانت هناك نازلة ووقعت له حادثة معينة فجاء هذا الشخص وسأل المجتهد، فالمجتهد هنا ملزم بأن يجتهد، والاجتهاد في حقه في هذه الحالة واجب وجوبا عينيا. والعلماء في هذه المسألة قالوا ان اجتهاد المجتهد لغيره قد يكون واجبا عينيا على الفور إذا ما خشي فوات الوقت دون معرفة الحكم الشرعي ولم يوجد غيره من العلماء المجتهدين، لكن إذا لم يخف من فوات الوقت فهنا يصبح الوجوب وجوبا عينيا لكنه على التراخي وليس على الفور.

2- يكون الاجتهاد واجبا وجوبا كفائيا في حالتين :
الحالة الأولى : إذا وقعت الحادثة لشخص خاص ،فيسأل عدد من المجتهدين يصبح الاجتهاد هنا واجبا على المجتهدين وجوبا كفائيا بحيث إذا أجاب احدهم سقط الإثم والتكليف عن الآخرين، ويقول العلماء أن من خص بالسؤال من المجتهدين خص بالوجوب ، بمعنى إذا وجد عدد من المجتهدين ووجه السؤال خاص بشكل مباشر لأحد منهم ، فذلك الذي وجه له السؤال يصبح الاجتهاد في حقه واجبا، بحيث اذا اجتهد سقط الاثم عن الباقين، وإن امتنع عن الجواب ووجد الى جانبه بقية العلماء وجب عليهم الاجتهاد لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز من الناحية الشرعية.
الحالة الثانية : إذا تردد الحكم بين قاضيين مجتهدين مشتركين معا في النظر في المسألة، فأيهما تفرد بالحكم سقط الوجوب عن الآخر، وإذا لم يجتهد اي منهما فيأثم الجميع.

ثانيا : الندب أو الاستحباب
يكون الاجتهاد مندوبا او مستحبا في حالتين :
الحالة الأولى : ان يجتهد في واقعة قبل نزولها من باب الاحتياط لما قد يحدث في المستقبل، فهذا مستحب لأن فيه نوع من السبق لمعرفة الحكم الشرعي للواقعة احتياطا حتى لا يقع المسلم في المحظور إذا كان الحكم هو المنع.
الحالة الثانية : أن يفتي المجتهد في مسألة قبل وقوعها.

ثالثا : التحريم
يكون الاجتهاد محرما كمبدأ إذا وجد نص قطعي ، بمعنى أنه إذا اجتهد المجتهد ليعارض نصا فهذا محرم
-قوله تعالى :  " يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ  لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ " هذا نص قطعي، اي اجتهاد للقول بالمساواة بين الابن والبنت في الإرث  فهو اجتهاد محرم.
-قوله تعالى : " وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا " هذه عقوبة شرعية محددة طبقا لنص قطعي ، بمعنى آخر لا يمكن أن نجتهد ونقول بأن حد السرقة ينبغي تجاوزه لأنه يرتبط بفترة زمنية معينة، لأن الثوابت خارجة عن الزمان والمكان، وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان يكون إذا تعلق الأمر بما هو ضمن المتغيرات بما هو ظني.

- قوله تعالى :" وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً "  فلا يمكن بأي حال من الأحوال ان نجتهد لننظر في إمكانية تغيير مبدأ الإحسان الى الوالدين تحت ذريعة كذا او كذا، فهذه الثوابت لا تقبل المعارضة ، وأي اجتهادات لمعارضتها هي اجتهادات محرمة من الناحية الشرعية، واي تأويل لهاته الثوابت والأمور القطعية فهو غير مقبول شرعا.
-عَنْ أبي هريرة ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ
- إذا صدر الاجتهاد ممن لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد وليس أهلا له بدليل قوله تعالى : " فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ "
- عَن عبد اللَّه بن عمر قَالَ سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يَقُول : " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمِ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُهُ مِن الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاء حَتَّى إِذا لم يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَيُسْأَلُوا، فأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" .

مجالات الاجتهاد :
ما ينبغي أن يجتهد فيه وما لا ينبغي الاجتهاد فيه :
-قال الغزالي : كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي
-كل حكم شرعي ورد فيه دليل ظني هو محل الاجتهاد
-كل حكم شرعي ورد فيه دليل قاطع فلا اجتهاد فيه و نميز فيه بين حالتين : وجود نص شرعي وعدمه :
وجود نص شرعي :
نميز في هذه الحالة بين صور أربعة :
أ ) نصوص شرعية قطعية الثبوت والدلالة
ب ) نصوص قطعية الثبوت ظنية الدلالة
ج ) نصوص ظنية الثبوت قطعية الدلالة
د ) نصوص ظنية الثبوت وظنية الدلالة

الصورة (أ) : اذا كان النص الشرعي قطعي الثبوت قطعي الدلالة فلا مجال فيه للاجتهاد، ولا يصح فيه الاجتهاد، بناء على قاعدة " لا اجتهاد في مورد النص ".
وإذا نظرنا الى مختلف النصوص الشرعية قرآنا أو سنة نجد بأن هذه النصوص التي تجمعها خاصية القطعية من حيث الثبوت والدلالة هي من النصوص التي تتضمن في غالبيتها قضايا العقيدة، التوحيد، نصوص تتضمن مكارم الأخلاق، فضائل الأعمال كالإحسان إلى الوالدين، ومنها نصوص ترتبط بأركان الإسلام كوجوب الصلاة وفرضية الحج، ووجوب الزكاة، ونصوص كذلك تتضمن بعض المبادئ الأساسية التي لا يمكن أن تكون محل نقاش او جدال او اجتهاد لأن أحكامها هي أحكام ثابتة قطعية، ولا تستقيم امور حياة الناس الا من خلال قطعية هذه الأحكام كتحريم الخمر، وتحريم الزنا وتحريم الربا...
وقاعدة " لا اجتهاد في مورد النص " هي قاعدة أساسية لأنها تمثل ذلك الفيصل الحقيقي بين الاجتهاد المشروع والاجتهاد الباطل، كما أنها  تميز لنا بدقة بين الثوابت والمتغيرات ، ولذلك فهذه القاعدة نظرا لأهميتها ولخصوصيتها على مستوى الأحكام الشرعية وعلى مستوى خصوصية هذه الأدلة والأحكام أصل لها العلماء ما يفيد أهميتها ويفيد مشروعيتها انطلاقا من الكتاب والسنة، لأن مضمونها يعتبر سدا منيعا أمام اية محاولة للنيل من أحكام الشريعة او العبث بنصوص الشريعة الاسلامية.
ومن النصوص التي تؤكد أساس هذه القاعدة :
- قوله تعالى : " وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ " وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا " والمستفاد من هذه الآية أن الله إذا حكم بأمر معين، وكان هذا الحكم صريحا واضحا لا مجال للتشكيك في ثبوته او دلالته، فالواجب الذي تقتضيه العبودية هو الخضوع لهذا الحكم، وبالتالي أي اجتهاد مخالف لذلك الحكم هو إعراض عن النص.( لا مجال للاختيار في الشرع بعد وضوح النص، وبعد وضوح الحكم المستفاد من النص )
- قوله تعالى :" فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُومِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا "  فالذين لا يحكمون شريعة الله بمقتضى الآية نفى الله عز وجل عنهم صفة الإيمان والأمر بعد الاحتكام لشرع الله يقتضي اتساع الصدر وانشراحه والرضا النفسي بحكم الله عز وجل، ثم القبول القلبي.

سبب نزول هذه الآية :
أن خصاما وقع بين الزبير بن العوام ورجل من الأنصار في مسألة السقي، والزبير بن العوام له حائط او بستان في مكان مرتفع عن بستان هذا الرجل من الأنصار، ثم اختصما الى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم ( في حقيقة الأمر ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم في البداية ليس حكما بقدر ما هو صلح ) ولما نظر النبي صلى الله عليه وسلم الوضع وعاين الواقعة ، قال: " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فقال الأنصاري : يا رسول الله ، أن كان ابن عمتك ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : " اسق يا زبير ولا تحبس الماء حتى يبلغ الجدر ، ثم أرسل الماء إلى جارك " في بداية الأمر حرص النبي صلى الله عليه وسلم ان لا يظلم هذا الشخص فنقص من حق الزبير ارتباطا بعلاقته هاته، ولكن بعدنا اتهم بالظلم وأنه لم يعدل، وغضب غضبا شديدا رجع للحكم بالعدل وليس بالفضل كما كان سابقا أعطى للزبير حقه في صريح الحكم...
- قوله تعالى :  "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ  وَاتَّقُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  " وكذلك هذه الآية تفيد بأنه لا ينبغي الاجتهاد في مقابل النص وهو تقدم بين يدي الله ورسوله.
- قوله تعالى :  "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "
هذه بعض النصوص التي تؤكد بأنه لا اجتهاد مع النص، كما ان القاعدة التي أصل لها العلماء إنما هي قاعدة تجد مستندها وتتحدد مشروعيتها بناء على نصوص القرآن، لذلك فليس هناك اي مسوغ من الناحية الشرعية ولا من الناحية الواقعية لمخالفة نصوص شرعية قطعية ثبوتا وقطعية دلالة، واي عملية اجتهاد لمخالفة هذا النص او معارضة هذا النص القطعي المحكم الثابت فهو يعتبر اجتهادا محرما من الناحية الشرعية.



المحاضرة كاملة على بي دي إف :


الرابط الأول  :


المحاضرة الثالثة في مادة أصول الاجتهاد والفتوى د.الوردي 2020



إعداد : فريق عمل مدونة كلية الشريعة والقانون

أخيراً كان هذا موضوعنا لهذه التدوينة، ننتظر مشاركتنا برأيك حول الموضوع وبإقتراحاتك لنستفيد منها في المواضيع القادمة وإذا كان لديك أي سؤال أو استفسار لا تتردد في طرحه علينا سوف نكون سعداء دائماً بالرد عليك في أقرب وقت إن شاء الله تعالى .

 تحياتي ومودتي ولاتنس الصلاة على النبي 
الاسمبريد إلكترونيرسالة