U3F1ZWV6ZTI2MjQxODU1MTI2X0FjdGl2YXRpb24yOTcyODQwMTM4MDQ=
recent
آخر المستجدات

المحاضرة الثالثة في مادة الاقتصاد الإسلامي د.أبو شاما


خصائص الاقتصاد الاسلامي
أولا : الربانية :
 وتعني استمداد الاقتصاد من الوحي الإلهي، فالاقتصاد الاسلامي يستضيء بنور الوحي الإلهي الكتاب والسنة، والعلماء لا يضيعون الجهد والوقت في استحلال الحرام ولا في تحريم الحلال، فلا يحاولون إثبات ما يضاد الشرع وينافيه، وفي القرآن آيات ذوات صلة بالاقتصاد التي تنهى عن الإسراف وأكل الأموال بالباطل.

الإسراف :
قال تعالى : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله" عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال : ما هذا السرف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال : نعم وإن كنت على نهر جار "
والإسراف هو تجاوز الحد الكافي في الانفاق على المستلذات والمشتهيات، لكن الحد الكافي غير محدود ولا محصور إلا أن الوسط الأعدَل الذي لا ميل فيه يمكن ان يُعلم بأحد اربعة أمور :
1-    النصوص الشرعية :
مثل مسألة تقليل الماء في الوضوء والغسل عند المالكية، فعن انس رضي الله عنه كان  النبي صلى الله عليه وسلم يغسل أو كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد " رواه البخاري , فعلم من هذا ان السرف هو ما زيد بعد تيقن المطلوب شرعا.
2-   العوائد الانسانية :
فالعادات الجارية بين الناس في المأكل والمشرب والمطعم والملبس والمأكل والمركب تشهد بما هو من قبيل السرف مما لا يكون من جنسه ولا يندرج تحته.
3-   شهادة معظم العقلاء :
 فقد يشهد العقلاء على سلوك  استهلاكي بأنه التوسط في الأمور المعيشية بينما يَعُدون سلوكا آخر من قبيل السرف المذموم، لذلك فشهادة العقلاء طريق لتمييز الانفاق المحمود عن السرف المذموم.
4-   اختلاف الاحوال الانسانية :
 وهذا مبني على اختلاف أحوال الناس في استهلاك المستلذات والمشتهيات من المباحات، فقد يعد استهلاك او تناول بعض المباحات في حق إنسان إسرافا مذموما بينما يعد في حق إنسان آخر إنفاقا محمودا. وباختلاف الاحوال الانسانية يختلف العلم بما يندرج تحت الإسراف مما لا يندرج تحته فيرى الانسان بعض المباحات بالنسبة الى حاله داخلا تحت الاسراف فيتركه لذلك، ويظن من يراه ممن ليس ذلك إسرافا في حقه أنه تارك للمباح، ولا يكون كما ظن. فكل أحد فيه فقيه نفسه.

أكل أموال الناس بالباطل :
قال تعالى : يآ ايها الذين ءامنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم. والتجارة هي مقابلة الأموال بعضها ببعض، وهو نفس معنى البيع، بل هو البيع عينه لأنه تعاوض يقع اما بمبادلة مال نقدي بسلعة او بمعاوضة مال نقدي معجل بسلعة مؤجلة، او بيع سلعة معجلة بمال نقدي مؤجل، او بيع مال نقدي في مقابل منفعة، أما اكل المال بالباطل فهو الحصول على مال الغير بغير مقابل في صورة المعاوضة.
وفي السنة :أحاديث متصلة تنهى عن الربا والغرر والظلم والغش والاحتكار والنجش والرشوة وإضاعة المال، وبيعتين في بيعة، وبيع الكالئ بالكالئ، وبيع ما ليس عندك، وبيع ما لم يقبض وربح ما لم يضمن.

مثال : النهي عن ربح ما لم يضمن.
عن عمر بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك.
إن مالكا يطابق بين حديث النهي عن ربح ما لم يضمن وبين حديث النهي عن بيع ما ليس عندك، فالمراد بالنهي في الحديثين واحد، لذلك فالحديثان تواردا على محل واحد من حيث النهي، فالظاهر ان البائع لم يضمن السلعة فدل ذلك على عدم استقرار واستمرار ثبات ملكه على المبيع فيكون بيع ما ليس عندك، وإذا كان كذلك فلا يقدر على تسليم السلعة للمشتري لأنها غير داخلة تحت ملكه ولا ضامن للسلعة، فيكون هذا التصور للمعاملة من باب بيع الغرر والمُخاطرة وهو من باب أكل الناس بالباطل فالبائع غير مالك ولا ضامن للسعلة , بل قد تكون السلعة في ضمان غيره، وهذا النوع من المعاملة غير الشرعية تماثل بين الربح وغير الربح لأن الربح ناتج في البيوعات عن ملكية البائع للسلعة والمبيعات وما يتبع ذلك من تحمل انواع المخاطر التجارية مما هو معتاد في البيوعات والتجارات واما غير المالك، لذلك فإنه يأخذ الشيء دون عوض في صورة المعاوضة وذلك من أكل أموال الناس بالباطل.
والنهي عن ربح ما لم يضمن معلل بأن ما كان في ضمان البائع من السلع والمبيعات فإن العقد يبطل بتلفها لأنه قد باع ما لم يستقر ملكه عليه، لذلك لا ينفذ البيع بإمضاء العقد فيه. فالربح الذي يأخذه البائع غلى بيع السلع والمبيعات والمثمونات إنما يكون بإزاء ضمان المبيع، وما يعتري ذلك من صنوف المخاطر التي قد تتعرض له السلع في البياعات والتجارات، مما يدفع البائع  الى حفظ المبيع وضمانه حتى يخرج عن ملكيته إلى ملكية المشتري سليما من الآفات والعيوب التي تخرم المعاملة. وهذا مناف لمن عقد على ذمته شعيرا و نوى أن يقبضه من شعير عنده وهو حَب في  السنبل إذا صار شعيرا، لأن تلف او هلاك الحَب الذي في السنبل لا يبطل العقد في الشعير.

صور ربح ما لم يضمن :
- من ساوم إنسانا في سلعة وذهب بها فباعها بأكثر مما ساومه، ان ذلك لا يجوز اذا لم يعلم صاحبها بذلك.
- لو اشترى سلعة بالخيار  فباعها بربح قبل أن يختار فإن الربح لربها لأنه يتحرك في سلك ما لم يضمن.

ثانيا : الأخلاقية :
إن البعثة المحمدية الحاملة لرسالة تتميم مكارم الأخلاق تفرض على كل العلوم الخادمة للدين اندماج التخلق فيها اندماجا تداخليا كليا بحيث لا ينفك عنها, فالاقتصاد الإسلامي اقتصاد أخلاقي في مبادئه ونظامه وتفسيراته وأما الدعوة إلى الفصل بين الأخلاق والاقتصاد فإنما مردها إلى النظر الاستغلالي المادي المؤسس على الفردانية المادية المصلحية , وإرادة الانفكاك من المراقبة والمحاسبة, فالأخلاق في المجال الاقتصادي ترتبط بالسلوك على نهج الاقتصاد الاجتماعي المتمثل في إخلاص الأفراد لمفهوم العدالة الاقتصادية والاجتماعية, وما تفضي إليه من إقامة ميزان العدل بالاستفادة من الموارد استفادة تشاركية عبر أسس تكفل تحقيق ذلك، قوله عز من قائل في شأن تدويل المال: { كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ }, ومن أمثلة ذلك: تنازل أغنياء الأنصار عن استغلال أقساط من أراضيهم لفقراء المهاجرين في سياق تاريخي فرض سد الحاجات المعيشية للمهاجرين، وتأسس هذا النهج على مبدأ المشاركة في الإنتاج. عَنْ أنس بن مالك رضي الله عنه قَالَ : لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ ، مِنْ مَكَّةَ ، الْمَدِينَةَ قَدِمُوا وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ ، وَكَانَ الْأَنْصَارُ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالْعَقَارِ ، فَقَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ عَلَى أَنْ أَعْطَوْهُمْ أَنْصَافَ ثِمَارِ أَمْوَالِهِمْ ، كُلَّ عَامٍ ، وَيَكْفُونَهُمُ الْعَمَلَ وَالْمَؤونَةَ . رواه مسلم
وعن أَبي سعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قَالَ: بينَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِذ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَال رسولُ اللَّه ﷺ: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ، فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأحدٍ مِنَّا في فَضْلٍ. رواه مسلم.
إن الاقتصاد الإسلامي في اعتماده على الأخلاق يكون منصفا للضعيف من القوي ويحمي الفقير من الغني, عكس أنواع من الاقتصادات التي تعتمد التشريعات التي تزيد من قوة الأقوياء وثراء الأثرياء وتكريس فقر الفقراء وضعف الضعفاء، فتتزايد الفجوة والهوة بين الأقوياء والضعفاء.

ثالثا : الوسطية :
 إذا كانت الرأسمالية ترتكز في مذهبيتها الاقتصادية على الحرية المطلقة للأفراد والشركات, وتعتمد تكاثر المال واستغلاله بكل الوسائل, فالاقتصاد الإسلامي لا يرتكز على حرية لا ينظمها قانون, ولا يعتمد الكثرة دون القلة وإنما يعرف رأس المال بالمعنى الذي أشار إليه القرآن في قضية التائبين من التعامل بالريا: وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ , فراس مال القرض قليلا كان أم كثيرا هو المال المقترض دون فوائده, ورأس مال التجارة قليلا كان أو كثيرا هو أصله الذي يتولد عنه الربح, فإذا اتجر شخص بعشرة دراهم وربح اثنين فرأس ماله عشرة, وإذا اتجر بمائة ألف وربح عشرة آلاف رأس ماله مائة ألف.
إن الاقتصاد الإسلامي هذا المفهوم لرأس المال يكون مفارقا للاقتصاد المؤسس على الاكتناز والاحتكار وتضخيم الثروة في يده الأفراد, واستغلال الضعيف والتعامل بالربا والقمار, كما أن الاقتصاد الإسلامي مباين للاشتراكية القائمة على تأميم كل أنواع الملكية الخاصة وتحويلها إلى ملكية الدولة والإسلام لا يعرف هذا الأسلوب ولا يعترف به, وإنما يعرف ذلك في المرافق العامة للدولة أو جزء من الملكية الخاصة حين تكون مشتركة بين الناس.

المحاضرة كاملة على بي دي إف :



المحاضرة الثالثة في مادة الافتصاد الإسلامي د.أبو شاما 2020



إعداد : فريق عمل مدونة كلية الشريعة والقانون

أخيراً كان هذا موضوعنا لهذه التدوينة، ننتظر مشاركتنا برأيك حول الموضوع وبإقتراحاتك لنستفيد منها في المواضيع القادمة وإذا كان لديك أي سؤال أو استفسار لا تتردد في طرحه علينا سوف نكون سعداء دائماً بالرد عليك في أقرب وقت إن شاء الله تعالى .

 تحياتي ومودتي ولاتنس الصلاة على النبي 
الاسمبريد إلكترونيرسالة