U3F1ZWV6ZTI2MjQxODU1MTI2X0FjdGl2YXRpb24yOTcyODQwMTM4MDQ=
recent
آخر المستجدات

المحاضرة الثالثة في مادة مقاصد الشريعة دة.هاجر جميل


الحمد لله رب العالمين والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد :

تعريف مقاصد الشريعة :
إن هذه الحقائق التي صاغت التصور العام عن ماهية المقاصد ينبغي لها أن تنتهي عند تحديد مفهوم مقاصد الشريعة حتى تتحد رُؤيتنا لهذا العلم وينطبق التصور مع الصورة التي أُريد لها أن تكون معبرة عن حقيقة علم المقاصد عند العلماء المختصين لتدقيق الحقائق والأَولى بنا قبل ذلك أن نورد المعاني اللغوية التي قد تكون مؤصلة ومقرِرة للمعنى الاصطلاحي عند أهل الاصطلاح وبعبارة أخرى , إن الانتقال من المعنى اللغوي إلى الاصطلاحي ضروري لمعرفة أصول تكَون الاصطلاح , فكم هي المصطلحات التي انتقلت من اللغة إلى الاصطلاح بتجديد صياغتها حسب ما اختصت به في العلوم التي انتسبت إليها وهي في حقيقتها لا تزال هي الأصل اللغوي الذي ظُن أنه انتقلت عنه , وحتى لا نُطيل في هذا الأمر أقول :

إن مقاصد الشريعة مركب إضافي فتحتاج إلى النظير في  معنى كل واحد منهما , والمقاصد جمع مقصَد بفتح ما قبل آخره , إذا أردت المصدر بمعنى القصد وإذا  أردت المكان بمعنى جهة القصد  فيُكسر ما قبل آخره وهذا هو القياس في مفعِل التي يكون فعلها من باب ضرب أي بفتح الماضي وكسر المضارع ,فالأصل : قصدته قصدا ومقصَدا وقد وردت هذه المادة  (  قَصَدَ ) بعدة معان :

المعنى الأول : إتيان الشيء وأَمُّهُ , ومن الباب أقصَدَه السهم إذا أصابه فقُتل مكانه, وكأنه قيل ذلك لأنه لم يَحد عنه أي لم يُخطئه إذا توجه إليه.

المعنى الثاني : الاعتزام والتوجه والنهوض والنهود نحو الشيء على اعتبار كان ذلك أو جور , هذا أصله في الحقيقة وإن كان قد يُخص في بعض المواضع بقصد الاستقامة دون الميل , وهذا المعنى قريب من الذي قبله إن لم يكن مرادفا له ,فإتيان الشيء وأمه لا يكون إلا باعتزام التوجه إليه والنهود والنهوض نحوه .

المعنى الثالث : استقامة الطريق ومنه قوله تعالى :  وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ  , أي على الله تبيين الطريق المستقيم والدعاء إليه بالحجج والبراهين وطريق قاصد سهم مستقيم  وسفر قاصد سهم قريب.

المعنى الرابع : الوسط بين الطرفين وفي الحديث : القَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا , أي عليكم بالقصد من الأمور في القول والفعل ومن المجاز : القصد في الشيء ضد الافراط , وهو ما بين الاسراف والتقتير , وقَصَد في الأمر لم يتجاوز فيه الحد و رَضي بالتوسط وقريب منه قولهم والقصد : العمل وفي الحديث : عليكم هديا قاصدا أي طريقا معتدلا

المعنى الخامس : الكسر : يُقال قصدتُ الشيء كسرته , والقِصدَة القطعة من الشيء إذا تكسر والجمع قصد

المعنى السادس : اكتناز في الشيء , يُقال : الناقة القصيد المكتنزة الممتلئة لحما وأُرى أن المعاني الأُولى كلها متقاربة تتناسب مع المعنى الاصطلاحي الذي سننتقل إليه بعد قليل , فلو ربطناها بالشريعة لضح أن يُقال : إن المقاصد هي الأمور والأغراض التي اعتزمت الشريعة التوجه إليها واتيانها في تشريعاتها لتسير بالمكلفين في الصراط المستقيم من غير إفراط ولا تفريط .

وأما الشريعة في اللغة : فتعود إلى مادة شرع وهي أصل واحد وهو شيء يفتح في امتداد يكون فيه من ذلك الشريعة وهي مورد الشاربة  الماء ، واشتُقت من ذلك الشرعة في الدين , قال تعالى :  لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا  وقوله تعالى : ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ , وبهذا سُمي ما شرع الله للعبادة شريعة من الصوم والصلاة والحج والنكاح وغير ذلك .

والقصد في الاصطلاح : العزم المتجه نحو إنشاء فعل , والشريعة في الاصطلاح : الائتمار بالتزام العبودية وقيل ما شرع الله لعباده من الأحكام التي جاء بيها نبي من الأنبياء سواء كانت متعلقة بكيفية عمل وتسمى فرعية وعملية أو بكيفية الاعتقاد وتُسمى أصلية .فإذا تقررت لديكم هذه المعاني لم يبق لنا إلا أن نعرف مقاصد الشريعة باعتباره علما والتعريف الدقيق لمقاصد الشريعة لم يُوقف عليه أحد حسبما انتهى إليه عدد من الباحثين في علم المقاصد , إلا أن مفهومها كان حاضرا عندهم , بل وأشاروا  إليه في مناسبات تقصُد إلى البيان والإفهام ,ومن ذلك :

قول الغزالي : ومقاصد الشارع هي المصالح التي تعود إلى العباد في دنياهم سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أو عن طريق دفع المضار.

أما الشاطبي  فقد أثار المفهوم  في عدد من المواضيع  منها  قوله : إن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح اﻷخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء .

وقال أيضا : القصد الشرعي في وضع الشريعة إخراج المكلف من داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا .
وأما المعاصرون فقد اجتهدوا في تحديد التعريف الدال على معنى مقاصد الشريعة في اصطلاح المقاصديين ومن تلك التعريفات , تعريف الشيخ ابن عاشور وهو تعريف عام حاول أن يستوعب معنى مقاصد الشريعة العامة من غير اختصاص.

تعريف الطاهر ابن عاشور ( تعريف عام ): مقاصد التشريع العامة هي: المعاني والحِكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظاتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة وأضاف , فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة و المعاني التي لا يخلوا التشريع عن ملاحظتها ويدخل في هذا أيضا  معان من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها .

كما ان ابن عاشور عرف مقاصد الشريعة بقوله : هي الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة، ويدخل في ذلك كل حكمة روعيت في تشريع أحكام تصرفات الناس.

تعريف الدكتور علال الفاسي: المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها.

تعريف الدكتور أحمد الريسوني: هي الغايات التي وُضعت الشريعة من أجل تحقيقها لمصلحة العباد.

تحليل التعاريف:
و تعريف  الشيخ ابن عاشور العام للمقاصد قارن فيه بين المقصِد  بالمعنى والحكمة العامة من التشريع، بحيث تشمل جميع أحكامه أو معظمها وقد أدخل في ذلك أوصاف الشريعة التي تميزها وغاياتها التي تبغي تحقيقها بتحقق أحكامها  , أما تعريفه للمقاصد الخاصة فقد لوحظ عليه أنه مناسب في شطره الأول لتعريف المقاصد العامة ، كما لوحظ عليه أن التعبير بالكيفيات لا يُعطي معنى دقيقا للمقاصد ولو قال : الحكم أو الأهداف أو نحوها مما بينها وبين المقاصد مناسبة لغوية لكان أولى .

و تعريف الدكتور علال الفاسي: جعل المفهوم  متجها نحو الغايات والأسرار من غير أن يحدد وجهة وحقيقة هذه الغايات والأسرار، فبقيت في حدود السر، وكأنه يقول إن للشريعة في كل حكم من احكامها سرا وغاية، قد ينتهي إليها المكلف فيكشفها وقد لا ينتهي إليها وهذا صحيح .

إلا أن الدكتور الريسوني: كشف الغاية الكبرى للمقاصد، بجعلها تنتهي عند تحقق مصلحة العباد، فالمقاصد عنده تقوم على مصالح يَتَغَيَّاهَا ( يبتغيها ) الشرع في تشريعاته.

وتبقى هذه التعريفات كلها محاولات تقديرية لمفهوم مقاصد الشريعة وقد حال ذلك المتقدمون أيضا  من غير قصد للتعريف حين استعملوا المقاصد في استعمالات متعددة منها الحكمة المقصودة بالشريعة من الشارع وعُبر عنها أيضا بمطلق المصلحة وعبر عنها أيضا بنفي الضرر ورفعه وقطعه وعُبر عنها بدفع المشقة ورفعها وبرفع الحرج والضيق وتقرير التيسير والتخفيف وبالكليات الشرعية الخمس المعروفة.

وأقرب تعريف عندي وهو قريب من تعاريف المعاصرين أقول فيه : مقاصد الشريعة هي المعاني والحكم التي وضعها الشارع في تشريعاته لتحقيق مصالح عباده.

المحاضرة الثالثة على هذا الرابط :


المحاضرة الثالثة في مادة مقاصد الشريعة دة.هاجر جميل 2020


إعداد : فريق عمل مدونة كلية الشريعة والقانون

أخيراً كان هذا موضوعنا لهذه التدوينة، يمكنك الاطلاع على المحاضرة الرابعة تواليا ,ننتظر مشاركتنا برأيك حول الموضوع وبإقتراحاتك لنستفيد منها في المواضيع القادمة وإذا كان لديك أي سؤال أو استفسار لا تتردد في طرحه علينا سوف نكون سعداء دائماً بالرد عليك في أقرب وقت إن شاء الله تعالى .

 تحياتي ومودتي ولاتنس الصلاة على النبي 
الاسمبريد إلكترونيرسالة