U3F1ZWV6ZTI2MjQxODU1MTI2X0FjdGl2YXRpb24yOTcyODQwMTM4MDQ=
recent
آخر المستجدات

المحاضرة الأولى في مادة مقاصد الشريعة دة.هاجر جميل


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد :
فإن شريعة الله إنما وجدت لإحقاق مقاصد العباد في معاشهم ومعادهم تسلك بهم مسالك النفع والصلاح وتنأى بهم عن سبيل الضرر والخسران, فمن آمن وامتثل لما فيها ,حُقَّ له ان يكون من السعداء ومن جحد وكفر فهو من الاشقياء  ,فلا يكلفون إلا بما يحفظ عليهم أمور دينهم ودنياهم, وهم في ذلك بين ضروريات وحاجيات وتحسينيات  يتنعمون بأفضال الله , فلا يَظُنَّنَّ  ظان أنها جاءت لمجرد إدخال الناس تحت سلطة الدين وإلا لكانت العبادة منقطعة عن الدنيا وكان التدين ترك العمل إلى مجرد الايمان 

ولكن الله سبحانه وتعالى خلق الكون كله وجعل عمارته في يد بني الانسان  ليمتحن إخلاصهم في عملهم وقيامهم بواجب الاستخلاف فكان ذلك من متطلبات قوله تعالى : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ وقوله تعالى : هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا وقوله تعالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا, وما  أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل وأنزل الشرائع إلا لإقامة نظام البشر كما قال تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ , وكل هذا مستوجب شكر الله إذ أدخلنا تحت رحمته وأنوار هدايته يقول تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ , فكيف لقائل حاقد عادل  عن الحق عم عنه أن يزعم أن سبب ضعف هذه الأمة في شريعتها وأنها مانعة لها من مسايرة العصر ولكيف لعدد من المسلمين أن ينبهروا بالغرب وحاضرته ويقلدوهم ويتركوا سبب الصلاح.

ولو أعيد السؤال بصيغة أخرى لقيل ما مقاصد الشريعة ؟ وما أهميتها وفائدتها وماهي مكانتها في منظومة التشريع الاسلامي  وكيف نشأت هذه المقاصد وكيف صارت علما من العلوم وهل لهذه المقاصد أنواع وتقسيمات تضبطها وتبين غاياتها وكيف لنا أن نكشف عنها لنقول هذه مقصد الشارع من شريعته وهذه الأسئلة وغيرها سنحاول بإذن المولى تعالى أن نحيط بأهم مايُجلي الاشكال عنها ويزيح لسان السؤال عن حقيقتها وقبل أن أبتدئ بالتعريف الذي هو أهم ما يظهر الحقائق,  اخترت أن أمهد  له بكلام لأقول :

الحقيقة 1 : أن مقاصد الشريعة محققة لمصالح العباد ،مُعرفة بخصائصها ،مظهرة لأهم سماتها المميزة لها كالجمع بين الثبات والمرونة في احكامها والحفاظ على سلامتها من التحريف والتبديل .

الحقيقة 2 : أن من المقاصد العامة للشريعة ,حفظ نظام الأمة بصلاح واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه  وهو نوع الانسان ويشمل صلاحه وصلاح عقله وعمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه ,ولأجل ذلك  سعت تكاليفها إلى تغيير الاحوال الفاسدة  وإعلام فسادها  وتقرير أحوال صالحة قد اتبعها الناس وحتى يتحقق ذلك جعلت من مقاصدها نفوذ أحكامها وحصول الامتثال لتكاليفها, وقد ذهب الإمام الشاطبي إلى أن من المقاصد الكلية للشريعة أن يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته إعتقادا وقولا وعملا , فلا يكون متبعا لهواه كالبهية المسيرة حتى يرتاض بلجام الشرع .

الحقيقة 3 : أن الشريعة السلامية جاءت بأدلة مثبتة لمقاصدها ولكونها تبغي رعايتها وتحقيقها .
يقول اﻹمام الغزالي " ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنة واﻹجماع " .
ويقول ابن القيم رحمه الله : "القرآن وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مملوءان من تعليل الأحكام بالحِكَم والمصالح وتعليل الخلق بهما والتنبيه على وجود الحِكم  التي لأجلها شرع تلك الاحكام ولأجلها خلق تلك الأعيان , ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة"
فمن تصفح أحكام الشريعة ونصوصها في مختلف مناحيها ومجالاتها أدرك الكثير من حكمها وعللها ومراميها ومن نظر في آثارها ونتائجها رأى ما وراءها من مصالح تجلبها ومفاسد تدفعها .

الحقيقة 4: أن اعتبار المقاصد قديم نشأ مع ظهور شريعة الله تعالى وامتد في جميع الأزمنة التي عرفت الاجتهاد و التجديد , فليس يتكلف مجتهد النظر في الاحكام وقضايا التشريع إلا ولزمه استصحاب ماقامت عليه هذه الشريعة من مقاصد تراعي مصالح العباد ,وقد كانت مباحث هذا العلم ملازمة للفكر الأصولي والكلامي والفلسفي تحاول التعرف عليه والتعريف به, كفانا  أن تُكُلم عن التعليل ومسائله وعن التحسين والتقبيح وكيفيته وعن علاقة الشرع بالعقل وتحكمه فيه غلا ان هذا العلم عرف نقلة نوعية عند المعاصرين حاولت ان تطلب استقلاليته عن باقي العلوم وتخرجه من مباحث وقضايا في الفقه والأصول حتى إن الدكتور الريسوني عبر عن هذه النقلة بتسميتها بالصحوة المقاصدية ,يقول مقررا هذه الحقيقة المتتبعة لحالة الدراسة المقاصدية التي توجهت إليها الهمم واختصت بها الأبحاث والكتب في هذا الزمان المتأخر بالتحديد.

يقول الدكتور الريسوني : هذا الاهتمام الذي بدأ بنشر كتابي الشاطبي الموافقات والاعتصام والاقبال عليهما والترويج لهما ولمضامينهما ثم تتباع بمؤلفات ودراسات وأبحاث جامعية وغير جامعية وبما لايحصى من المقالات والندوات والمحاضرات.
ثم أصبحت مقاصد الشريعة مادة دراسية مستقلة في عدد من الجامعات بالعالم الاسلامي ومازالت العناية بمقاصد الشريعة والاقبال على طلبها في تزايد مستمر. اهـ

الحقيقة 5 : أن اﻹمام الشاطبي مجدد النظر في علم مقاصد الشريعة الذي صح أن يقال فيه شيخ علم المقاصد , اجتهد في إبراز هذا العلم وأهميته ، وتخصيصه  بالبحث والمدارسة وتأليف أبحاثه وقضاياه إلى أن ظهر في صورة غير معهودة عند العلماء , أبانت للناس أُسس هذا العلم وقواعده وذَكَّر في محوريته وأصالته ,فإن كان رحمه الله قد خصص الجزء الثاني من موافقاته لهذا العلم ونسب فيه الى التجديد والابتكار فإنه مسبوق بمن دله على هذا الجديد ويكفي أن يقال إن الشريعة دلت على هذا العلم, فالأحرى بعلمائها أن يبلغهم هذا الدليل ويسير وراءه وهم يعرفونه.

يقول الدكتور الريسوني : "رغم أن التجديد الذي جاء به الشاطبي لا ينازع فيه أحد ولا نجد إلا من يشهد وينوه به ، فإن الذي لا ينبغي الشك فيه أيضا هو أن الشاطبي لا يكون قد ابتدأ نظريته ابتداءا وأبدعها إبداعا ، بل لابد أن يكون قد استفاد ممن سبقوه وبنى على ما قرروه ومعنى هذا أن الشاطبي قد اتبع وأبدع وقلد وجدد وأخد وأعطى ".

وغاية ما يمكن أن يوصف به عمله وجديده أنه اجتهد في تأصيل القواعد وتأسيس الكليات المتضمنة لمقاصد الشارع في وضع الشريعة وهذا العمل الجدير اذي استحق به الريادة لا ينبغي أن ينسينا أن علماء آخرين كانت لهم قبله وبعده جهود سنحاول بإذن الله بيانها وإظهار أهمها حين الحديث عن تاريخ المقاصد ولي أن أذكر لكم بعضهم إلى حين ذلك الوقت .

من أمثال الإمام الجويني في كتابه البرهان والإمام الغزالي في شفاء الغليل وإحياء علوم الدين والمستصفى كما كان للعز بن عبد السلام جهود مهمة في هذا العلم أظهرها في قواعده الكبرى وقواعد الصغرى المعروفة بقواعد الأحكام في مصالح الأنام كما أن الشيخ محمد طاهر بن عاشور لا تخفى إسهاماته في هذا العلم التي نال بها وصف التجديد والاجتهاد خاصة في كتابه مقاصد الشريعة.

الحقيقة 6 : أن مقاصد الشريعة كانت محل طلب وعناية  من لدن علماء الشريعة في جميع علومها يفزع إليها حين النظر والتفهم والاستنباط والاستدلال , فكانت محل درك الفقهاء المحققين ومحط نظر العلماء المدققين الذين فهموا نصوص الشريعة واستوعبوا  دلالاتها وقد اتضح ذلك من خلال تفسيرهم للآيات القرآنية والأحاديث النبوية وبيان أحكام الدين والمسائل الفقهية وتأسيس القواعد الأصولية وقد ثبت أن الاصوليين كانوا أكثر توجها إلى هذا الفن  لتوجههم في العلم الشرعي إلى التقعيد والتأصيل وقد كانت لهم محاولات في ذلك أعطتهم حق السبق في ضبط موضوع المقاصد حتى إن الباحث في علم المقاصد لا يمكن له أن يتجاوز جهودهم فهي ملازمة لهم ,فمصادر علم أصول الفقه من مصادر علم المقاصد إلا أن هذا الذي كان من علماء أصول الفقه ظل في حدود المحاولة التي تشتمل في إثارة قواعد وأصول تأسس لهذا العلم استمرت لقرون طويلة جعلت منها أي القواعد جزئيات متناثرة عبر أبواب علم أصول الفقه ,صحيح أن جماهير العلماء القائلين بحجية القياس قائلون بتعميم الأحكام ومراعاة مقاصدها ولكن التعرض إلى هذا يأتي غالبا عرضيا ضمن مباحث القياس  
,فكانت جهودهم سببا في إبراز هذه القضايا  المقاصدية  وكيف أن الشريعة جاءت لرعايتها فتكلم بعضهم عن مراتبها ومسالك إثباتها إلى غير ذلك من القضايا .



المحاضرة الأولى على هذا الرابط :







إعداد : فريق عمل مدونة كلية الشريعة والقانون

أخيراً كان هذا موضوعنا لهذه التدوينة، يمكنك الاطلاع أيضا على المحاضرة الثانية تواليا كما ننتظر مشاركتنا برأيك حول الموضوع وبإقتراحاتك لنستفيد منها في المواضيع القادمة وإذا كان لديك أي سؤال أو استفسار لا تتردد في طرحه علينا سوف نكون سعداء دائماً بالرد عليك في أقرب وقت إن شاء الله تعالى .

 تحياتي ومودتي ولاتنس الصلاة على النبي 
الاسمبريد إلكترونيرسالة