-->
U3F1ZWV6ZTI2MjQxODU1MTI2X0FjdGl2YXRpb24yOTcyODQwMTM4MDQ=
recent
آخر المستجدات

المحاضرة التاسعة في مادة أصول الاجتهاد والفتوى د.الوردي 2020

الحمد لله رب العالمين والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد :


نماذج وقضايا من الاجتهاد الفقهي الجماعي:

عندما نتحدث عن نماذج وقضايا من الاجتهاد الفقهي المعاصر  ، معنى ذلك أننا سنستحضر ونناقش بعض القضايا  التي أُثيرت في واقعنا المعاصر  في إطار مجال مهم من مجالات الاجتهاد الجماعي و هو الاجتهاد الجماعي في المستجدات  .
كما هو معلوم ، واقعنا هذا يعج بمجموعة من المستجدات التي ترتبط بمجالات مختلفة منها مجال الاقتصاد  ، مجال الأسرة ، مجال الطب ، مجال السياسة ، وهاته المجالات هي أكثر ارتباطا بواقع المجتمع ، والتي تتميز بمجموعة من التعقيدات والاشكالات مما يستدعي ضرورة  النظر فيها من وجه الشرع ،في ظل تأكيد حقيقة أساسية ومهمة وهي صلاحية الشريعة لكل زمان ومكان ، لذلك سنقتصر في هاته المحاضرة على نموذجين أساسين ، النموذج الأول يتعلق بمجال الاقتصاد ، و النموذج الثاني يرتبط بمجال الأسرة .

المجال الأول : مجال الاقتصاد
معلوم أننا في واقعنا هذا ، نجد أنفسنا أمام جملة من المعاملات المالية التي فرضت نفسها في هذا الواقع أكثر، وبالتالي يبقى التساؤل ، ما موقف الشريعة الإسلامية منها ؟
من هاته القضايا ما يرتبط بمجال المصرفية الإسلامية أو مجال المعاملات المصرفية بشكل عام ، (مجال الأسواق المالية ، مجال التأمين ، مجال المشتقات المالية )، لذلك فإذا أخذنا مثلا مجال التعامل المالي ، نجد أن من الإشكالات المطروحة هو قضية الربا ،وحكمها حكم محكم ثابت قطعي لا مجال للاجتهاد فيه اطلاقا من قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ، غير أن الإشكال يكمن هنا في إطار الحكم أو معرفة بعض الصور من المعاملات للنظر فيما إذا كانت تلك الصور جائزة  أم محرمة ، بعبارة أخرى نتحدث هنا عن ما يسمى من الناحية الأصولية بتحقيق المناط ، وهو أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي  لكن يبقى النظر في تعيين محله ، ومن القضايا التي أُثيرت  في السنوات السابقة والتي ليست وليدة اليوم دعوة إباحة الربا بحكم مسألة التضخم والتي يترتب عنها انخفاض القيمة الحقيقية للنقود في ظل ارتفاع الأسعار ، أو التمييز كذلك بين القروض الانتاجية والقروض الاستهلاكية ، وهذه النقطة الأخيرة بالذات هي التي سنناقشها إن شاء الله.

التمييز بين القروض الانتاجية والقروض الاستهلاكية :
مفاد هاته الشبهة هو التمييز بين القروض الانتاجية والقروض الاستهلاكية بوصف ذلك مخرجا شرعيا لتبرير الفائدة الربوية . بمعنى آخر ، الادعاء بأن تلك الزيادة في إطار القروض الانتاجية لا ينطبق عليها مفهوم الربا  بحكم غياب عنصر الاستغلال مقابل تحريم تلك الزيادة عندما يتعلق الامر بقروض استهلاكية ، ولاشك أن التمييز بين هذين النوعين من القروض  هو أمر مردود من الناحية الشرعية والعملية للأسباب التالية :
1-النصوص الشرعية الواردة في القرآن والسنة والتي تنص على تحريم الربا ، لم تميز بين  القروض الانتاجية والقروض الاستهلاكية ، فالتحريم  ورد عاما  لكل زيادة عن رأس المال ، فإذا تحدثنا من الناحية الفقهية  على نوعين من الربا  كما جاء في بداية المجتهد ،حيث اتفق العلماء  على أن الربا يوجد في شيئين ، في البيع وفيما تقرر في الذمة  من بيع أو سلف ، فما تقرر في الذمة من بيع أو سلف  يتعلق الأمر بربا الديون أو ما يُسمى بربا النسيئة أو الجاهلية ، ثم ربا البيع أو ربا البيوع وهو الذي يرتبط بما يُسمى بالأجناس الربوية انطلاقا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم  حيث قال : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوْ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى " ، ما يهمنا في هاته المسألة هو الحديث عن ربا النسيئة الذي هو الزيادة في الدين نظير الأجل ، لذلك فالتحريم  الخاص بالربا و الوارد في القرآن الكريم  لم يميز بين القروض الانتاجية والقروض الاستهلاكية ، فإذا أخذنا قوله تعالى  : وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ، و قوله عز وجل وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ، ومن الناحية التاريخية كذلك ، نجد  ان الربا الذي كان أكثر انتشارا هو ربا الانتاج ، بمعنى ذلك الذي ارتبط بالتعامل بالقروض الانتاجية ، فإذا عدنا إلى المعاملات التي كانت سائدة في الجاهلية ، نجد أن قريشا كانت تُمارس التجارة ، و التي اشتُهرت برحلتي الشتاء والصيف ، مما يُؤكد على أن القروض  التي كانت سائدة أكثر هي القروض الانتاجية وليست القروض الاستهلاكية ،وبالتالي اشتهر هذا النوع من الربا على مستوى القبائل كقبيلة بني ثقيف وبني المغيرة ، وعلى مستوى الأفراد الذين تعاملوا بالربا واشتهروا بذلك ، كخالد بن الوليد والعباس بن عبد المطلب ، ولذلك إذا استحضرنا في هذا السياق حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ اللهَ قَضَى أَنَّ أَوَّلَ رِبًا يُوضَعُ، رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
مما يُؤكد كذلك انتشار هذا النوع من الربا في الجاهلية أن المرابين قديما كانوا يحرصوا على أن يُقرضوا ذوي المكانة والسمعة حتى يضمنوا استرداد رؤوس أموالهم مع الزيادات المشروطة ، وبالتالي فهؤلاء التجار الذي اشتهروا بالسخاء والكرم ، قلما يلتجؤون إلى الفقراء  لإقراضهم  بالفائدة ، وهذه الحقيقة أكدها مجموعة من الباحثين ، نذكر على سبيل المثال ما ذكره الدكتور سامي حمود بقوله : فالربا الذي عرفه الجاهليون في مكة والطائف وغيرهم لم يكن ربا استهلاك  حيث كان يكتفي البدوي  ببعض التمر  واللبن ،إنما كانت القروض قروض تجار بقوافل  تخرج محملة  إلى الشام  واليمن وتعود محملة ،  فلم يكن لدى البدوي قسط سيارة  ولا إيجار شقة كما حال الناس في هاته الأيام ، ولكن ناقة  يحلبها إذا جاع  وبيت شَعر يطويه ويحمله  إذا ارتحل .اهـ  ، وهذا واقع الأمر .
من الناحية العملية يُؤكد الخبراء وأهل الاختصاص في المجال الاقتصادي كالدكتور السنهوري على أن ثمت صعوبة في التمييز بين القروض الانتاجية والقروض الاستهلاكية، وعلى مستوى الاجتهاد الجماعي ، و لابأس أن نُذكر بقرار  المؤتمر الاسلامي الثاني لمجمع البحوث الاسلامية الذي عُقدي بالقاهرة  سنة 1965 والذي نص على ما يلي :
 الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم ، لا فرق في ذلك  بين ما يُسمى بالقرض الاستهلاكي وما يُسمى بالقرض الانتاجي ،لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها  قاطعة في تحريم النوعين ....، ثم جاء في القرار : كثير الربا  وقليله حرام كما يُشير ذلك الفهم الصحيح في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ، هذا باختصار ما يتعلق بالمجال الشق الاقتصادي .

المجال الثاني : مجال الاسرة
معلوم أننا أمام مستجدات معاصرة  ذات طابع علمي  ترتبط بمجال الأسرة  وخاصة ما يتعلق بالنسب إثباتا ونفيا ، ومن هاته القضايا المستجدة مسألة إثبات النسب أو نفيه باعتماد المستجدات الطبية والعلمية  كما هو الأمر بخصوص ما اصطلح عليه  بالبصمة الوراثية ، ومعناها ذلك التركيب الوراثي الناتج  عن تحليل الحمض النووي (ADN) وكما هو معلوم أن تحليل (ADN) له أهمية بالغة في مجال التحقيق الجنائي ، لكن ما موقف الشرع او الاجتهاد الفقهي بخصوص إمكانية استعمال أو توظيف البصمة الوراثية في إثبات النسب أو نفيه ، وسنقتصر هنا على النقطة الأخيرة وهي نفي النسب.

نفي النسب :
النسب هو لُحمة شرعية تربط الفروع بالأصول وهو من الكليات الخمس التي جاء الإسلام للحفاظ عليها ، وهي الدين والنفس والعقل والمال والعرض أو النسب .
أما من الناحية الشرعية ، فوسيلة نفي النسب شرعا هي اللعان ، واللعان هو شهادات  مأكدة بأيمان ، وقد عرفه ابن عرفة بقوله : حلف الزوج على زنى زوجته أو نفي حملها اللازم له وحلفها على تكذيبها إن أوجب نكولُها حدَّها بحكم القاضي ، بمعنى آخر أن الحالات التي يلجأ فيها الزوج للعان هي عندما يدعي بأن زوجته قد زنت ، أو أن ينفي حملها عنه ، وفي ذلك يقول ابن عاصم في التحفة :

وإنما للزوجين أن يلتعنا *** لنفي حمل أو لرؤية الزنا

وهذه القضية بطبيعة الحال هي قضية مستجدة التي هي اعتماد البصمة الوراثية في إثبات النسب ، ناقشها الفقهاء واختلفت مواقفهم واجتهاداتهم على اعتبار أن الإشكال هنا ، إلى أي حد يمكن اعتماد البصمة الوراثية كمُستجد علمي في إطار نفي النسب إلى جانب اللعان ، وهل تقوم البصمة الوراثية مقام اللعان باعتبارها مسألة مستجدة ذات أهمية على المستوى العلمي ، و لذلك فالفقهاء لهم نظر في هاته المسألة اختلفت اجتهاداتهم وفقا لما يلي  :

الموقف الأول :
وهو موقف قلة من العلماء أجازت مطلقا نفي النسب باعتماد البصمة الوراثية  ، وقالوا بأن هاته البصمة الوراثية وفق نتائجها الدقيقة بإمكانها ان تحل محل اللعان ، واستدلوا على موقفهم هذا بأن الزوج إنما يلجأ إلى اللعان عندما يفقد الشهود ، وقالوا بأن البصمة الوراثية كافية للشهادة على ما يدعيه الزوج ، ومن العلماء الذين ساروا وفق هذا الاتجاه ، الشيخ محمد مختار السلمي الذي قال في بحث له مقدم لندوة  الوراثة والهندسة الوراثية التي نظمتها المنظمة الاسلامية للعلوم الطبية في الكويت سنة 1998 وكان له بحث بعنون إثبات النسب بالبصمة الوراثية  ، ومما جاء في بحثه هذا حيث قال  : أجدني مطمئنا إلى اعتماد البصمة الوراثية فيما يُثبت النسب أو ينفيه .

الموقف الثاني :
وهو يُشكل موقف الكثير من الفقهاء سواء على مستوى الاجتهاد الفردي او على مستوى الاجتهاد الجماعي ، مفاده عدم جواز نفس النسب بالمصة الوراثية وأنه لا يجوز مُطلقا تقديمها على اللعان وهو ما جاء في قرار مجمع الفقه الاسلامي التابع لرابطة العالم الاسلامي بمكة الذي نص على ما يلي :
لا يجوز شرعا  الاعتماد على البصمة الوراثية  في نفي النسب ، ولا يجوز تقديمه على اللعان .
ومن الفقهاء الذي ساروا وفق هذا الاتجاه نجد الشيخ سيدي محمد التاويل رحمه الله الذي أكد على أن الرغم من اهمية البصمة الوراثية في مجال التحقيق الجنائي إلا أن اعتمادها في مجال النسب يُعتبر انقلابا على الشريعة الاسلامية ومُعاكسة لمقصد من مقاصها ، وفي مقال دقيق له بعنوان: التوظيف المقاصدي في القضايا الطبية الراهنة البصمة الوراثية والانجاب الاصطناعي  أكد على أنه لا يجوز شرعا  اعتماد البصمة الوراثية في نفس النسب وأي موقفه هذا وهو موقف كثير من العلماء في واقعنا المعاصر بجملة من الأدلة الشرعية  من بينها قوله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ  إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ  وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ  وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ  وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ، فمُقتضى هاته الآية أنها أكدت على أن السبيل  الوحيد  والمشروع لنفي النسب هو اللعان على أساس تحقق الشروط والتي هي الفراش في إطار كذلك وجود المدة الخاصة بالحمل وهي المدة الشرعية ، ثم تَم الاستدلال بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ، وهو قضاء نبوي انطلق من واقعة قضا فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، بتأكيده على أن الامر يرتبط بالفراش ولا عبرة هنا بمسألة الشبه ، ونص الحديث كما هو وارد في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلاَمٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ» ، فمن خلال هذا القضاء النبوي يتبين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ألحق الولد بصاحب الفراش وهو زمعة ، وبالتالي لم يكترث بمسألة الشبه أو القافة وهي الخبرة المعتبرة في واقعنا المعاصر ، و بالتالي هذا الأمر كذلك يمكن أن نستدل من خلاله لمجموعة من أقوال الفقهاء، من بينها ما قاله الإمام القرافي من أئمة المالكية أنه قال : لا حكم للشبه مع الفراش .اهـ
 ثم أيد أصحاب هذا الاتجاه قولهم بأن الاعتماد على أن البصمة الوراثية لنفي النسب، هو مخالف لمقاصد الشريعة ،ويتعارض مع مبدأ الحفاظ على الأعراض والستر على النساء.

 الموقف الثالث :
هو موقف يسيرُ في إطار مبدأ الوسط بين البصمة الوراثية وبين اللعان.
 مفاد هذا الموقف أنه لا يمكن إلغاء اللعان ولكن يمكن اعتماد اللعان على أساس أن يرتبط بالبصمة الوراثية باعتبارها مكملة للعان في إطار في نفي النسب ،معنى هذا أن هذا الاتجاه يری بأن نسب المولود لا يُنفى باللعان متى جاءت تحاليل البصمة الوراثية تؤكد صحة نسبه للزوج ولو لاعن في هذه الحالة، لكن إذا جاءت البصمة الوراثية مؤكدة لقول الزوج فهنا ينتفي النسب باللعان ،وتعد البصمة الوراثية دليلا تكميليا فقط ،لذلك لا بأس من التذكير بقرار المجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بشأن البصمة الوراثية، وهو قرار استحضر هاته المستجدات العلمية في مجال الطب، وفي ارتباطها بالأسرة كذلك،  حيث أكد على أهمية البصمة الوراثية بالنظر إلى مجالات توظيفها ومما جاء في القرار:

أولاً: لا مانع شرعاً من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص، لخبر: ادرؤوا الحدود بالشبهات.
ثانياً  : إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لا بد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لا بد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية.
 ثالثاً: لا يجوز شرعاً الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان.
رابعاً: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعاً، ( لأن هذا يُثير نوعا من اللبس في إطار النسب  الذي يُبنى على فراش الزوجية ) ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة، لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصوناً لأنسابهم.
خامساً: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات الآتية:‍
 أ - حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء .
ب - حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات، ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.
ج - حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين.
لذلك فهذا الاجتهاد الفقهي الذي يؤكد هذا الموقف الخاص بقرار مجمع الفقه الإسلامي، قد ميز في إطار اعتماد البصمة الوراثية، بينما مجال التحقيق الجنائي وهو أمر ايجابي في إطار الاستفادة من تطور العلم ، ثم  ميز بين إثبات النسب وبين نفي النسب.
 آخر نقطة في هذه المسالة تتعلق بموقف المشرع المغربي خصوصا فيما يتعلق بمدونة الأسرة من إمكانية اعتماد البصمة الوراثية في مجال نفي النسب ، و كما هو معلوم عندما نتحدث عن مدونة الأسري نتحدث عن نموذج من الاجتهاد الفقهي الجماعي المعاصر ، و موقف مدونة الأسرة من النسب موقف ثابت و شرعي ويستخلص من خلال النصوص التي تناولت من خلالها مسالة النسب، حيث انطلقت من قاعدة مهمة جدا وهي أن الشرع متشوف للحوق النسب ،وأكدت المادة 15 على أنه يثبت النسب بالظن ولا ينتفي إلا بحكم قضائي .

لذلك فالبصمة الوراثية لا نشك في أنها تساعد القاضي في الوصول إلى الحقيقة، لكن موقف المشرع المغربي من هذه المسالة هذا الأمر واضح من خلال ما نصت عليه المادة 153 والتي جاء فيها:
يعتبر الفراش بشروطه حجة قاطعة على ثبوت النسب ،لا يمكن الطعن فيه إلا من الزوج عن طريق اللعان أو بواسطة خبرة تفيد القطع الشرطين .
أولا : إدلاء الزوج المعني بدلائل قوية على ادعائه .
ثانيا :تم صدور أمر قضائي بهذه الخبرة .

مقتضى هذه المادة ،أن مدونة الأسرة انطلقت من أن اللعان هو السبيل لنفي النسب ،لكنها استحضرت هذا المعطى المستجد الذي هو الخبرة أو البصمة الوراثية من خلال الحديث عن الخبرة القضائية ،لكن وفق قيود حيث انطلقت من مبدأ إعطاء أو تخويل سلطة اجتهادية للقاضي والذي من خلال هذه السلطة الاجتهادية له، يمكن على ضوئه نفي النسب، لكن على أساس تحقق الشروط التالية :
الشرط الأول: لا بد من إدلاء الزوج المعني بدلائل قوية على ادعائه.
بمعنى أن يُدلي الزوج بما يُثبت ادعاءه في إطار نفيه للنسب، كأن يدلي بشهادة طبية تُثبت عقمه، أو أن يعتمد على محاضر الشرطة القضائية التي تفيد بأن الزوجة كانت تتعاطى بشكل اعتيادي لجريمة الزنا.
الشرط الثاني: صدور أمر قضائي بهذه الخبرة .
الشرط الثالث: لا بد ان تكون هذه الخبرة قطعية حتى لا يكون الأمر فيه أي مجال للشك .
لذلك فهذه الاعتبارات التي استحضرناها يتبين من خلالها الاختلاف الحاصل في إطار الاجتهاد الفقهي المعاصر سواء تعلق الأمر بإثبات النسب أو نفيه.


تلكم أهم النماذج و القضايا من الاجتهاد المعاصر التي استخلصنها على ضوء هذا المُعطى. وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.



المحاضرة التاسعة على هذا الرابط :


المحاضرة التاسعة في مادة أصول الاجتهاد والفتوى د.الوردي


إعداد : فريق عمل مدونة كلية الشريعة والقانون

أخيراً كان هذا موضوعنا لهذه التدوينة، ننتظر مشاركتنا برأيك حول الموضوع وبإقتراحاتك لنستفيد منها في المواضيع القادمة وإذا كان لديك أي سؤال أو استفسار لا تتردد في طرحه علينا سوف نكون سعداء دائماً بالرد عليك في أقرب وقت إن شاء الله تعالى .

 تحياتي ومودتي ولاتنس الصلاة على النبي 
الاسمبريد إلكترونيرسالة