U3F1ZWV6ZTI2MjQxODU1MTI2X0FjdGl2YXRpb24yOTcyODQwMTM4MDQ=
recent
آخر المستجدات

المحاضرة السادسة في مادة مقاصد الشريعة دة.هاجر جميل


الحمد لله رب العالمين والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أما بعد :


ب-  المصلحة في الاصطلاح عند الأصوليين :

تنحصر في ثلاثة إطلاقات ...
أولا : تطلق على السبب المؤدي إلى مقصود الشارع .
ثانيا : تطلق على نفس المقصود للشارع.
ثالثا : تطلق على اللذات والأفراح.

أما الإطلاق الأول : فيُؤخذ من قول الإمام الغزالي : أما المصلحة فهي في الأصل عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرة , ولسنا نعني بها ذلك , فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم ولكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع من الخلق خمسة , وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم , فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة , وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة.
لقد فرق الغزالي رحمه الله في تعريفه بين الوضع اللغوي للمصلحة وبين الوضع الشرعي لها ، فهي في الوضع اللغوي الذي عبر عنه بالأصل عبارة عن جلب منفعة أو دفع مضرة. أما في الوضع الشرعي فهي المحافظة على مقصود الشارع من الخلق الكائن في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

فالغزالي في بيانه للحقيقة الاصطلاحية للمصلحة نجده قد طابق بين المصلحة وملاءمة مقصود الشارع وأناطها به حيث اعتبر أن الكليات الخمس التي جاءت الشريعة لحفظها ومراعاتها هي عين المصلحة وهي تدور معها وجودا وعدما ، فالمصالح الشرعية في مفهوم الغزالي هي التي تلائم مقاصد التشريع الإسلامي ، اما المصالح النابعة من عقول الخلق وأهوائهم ورغباتهم فلا مدخل لها في معيارية المصالح الشرعية .
ويؤخذ من تعريف الغزالي أن مقصود الشرع لا يتحقق إلا إن روعيت المصلحة ، فهي المُحافِظَة عليه المؤدِّيَة لحصوله وتحصيله ،فالمصلحة خادمة لمقاصد الشريعة، لأنها هي التي تؤدي إلى تحقيق حفظ مقصود الشرع،  والمقاصد غير متحققة إلا بوجود المصلحة .
كما يأخذ منه أن العلاقة بين المصلحة ومقاصد الشرع في حفظ الأصول الخمسة التي هي كليات الشريعة.
 كما يأخذ منه أن كليات الشريعة الخمس متضمنة للمصلحة أو المصالح فحيثما حوفظ عليها تحققت المصلحة
وغاية القول الأول: أن المصلحة تؤدي وتنتهي إلى تحقق مقصود الشرع فهي سبب لتحقق مقاصد الشرع، فالشريعة مقاصد والمصلحة سبب يؤدي إلى تحققها وحصولها. 
ومن التعاريف القريبة لتعريف الغزالي وهو تعريف للإمام الطوفي يقول :
وأما حدها بحسب العرف فهي السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع كالتجارة المؤدية إلى الربح. و بحسب الشرع هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة. ثم هي تنقسم إلى ما يقصده الشارع لحقه كالعبادات و إلى ما يقصده لنفع المخلوقين وانتظام احوالهم كالعادات .اهـ
والذي يؤخذ من تعريف الطوفي للمصلحة ما يلي: 
أولا : أن المصلحة عند أهل العرف تطلق على كل سبب يؤدي إلى النفع. وهذا المعنى اللغوي للمصلحة كما سبق وهو الإطلاق المجازي للمصلحة ، وقد رأينا الغزالي يعرف المصلحة في الأصل بهذا التعريف .
ثانيا : أن الطوفي يفرق بين مقاصد الخلق ومقاصد الشارع كما فعل الغزالي تماما، فهو يقول:
إن المصلحة هي السبب المؤدي إلى مقصود الشارع، أي إلى نفع مقصود للشارع وليس إلى مطلق نفع في عرف الناس، فالقصاص مصلحة في نظر الطوفي لأنه سبب إلى حقن الدماء، وهو نفع مقصود للشارع.
ورجم الزاني  مصحلة لأنه سبب لحفظ النسل. وهو نفعٌ مقصودٍ للشارع ولقد سبق أن رأينا الغزالي يصرح بأن كل ما تضمن حفظ أحد الأصول الخمسة فهو مصلحة فيكون القصاص مصلحة لأنه يتضمن حفظ النفس وهو أحد الأصول الخمسة أو المقاصد الخمسة.
وبمثل هذا التعريف عرف الخوارزمي المصلحة فقال: والمراد بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد عن الخلق. اهـ
وتعريفه لم يزد على التعريفين إلا بيان طريق المحافظة على مقصود الشرع، وهو بدفع المفاسد عن الخلق و حصر مقاصد الشرع في دفع المفاسد عن الخلق. 
وقبل الانتقال إلى الإطلاق الثاني أود أن أنبه على مسألة في غاية الأهمية وهي أن اتفاق مقصود الغزالي والطوفي في تعريف المصلحة سيأتي بعد اختلاف سببه أن الطوفي يُوجب تقديم رعاية المصلحة على النص والاجماع إذا خالفاها ،ثم يصف هذا  التقديم بأنه تخصيص وبيان لهما، وبأن له نظيرا هو تقديم السنة على القرآن بطريق البيان. 
يقول د.حسين  حامد حسان : هناك فرق في غاية الأهمية بين الغزالي والطوفي فيما يتعلق بالمصلحة كدليل شرعي ،وقد أغفل هذا الفرق كثير ممن كتبوا في المصلحة ،فوقعوا في كثير من الأخطاء في حماية مذهب الطوفي في المصلحة والمقارنة بينه وبين القائلين بهذا الأصل .
يقول : الغزالي يذكر هذا التعريف على أنه تعريف للمصلحة بمعنى المناسبِ أوالمُخِيل وليس بمعنى الدليل الشرعي إذ أنه قسم المصلحة بعد ذلك أقساما واشترط فيها شروطا حتى تصلح دليلا على الأحكام فقال : إن المصلحة بهذا تنقسم بحسب اعتبار الشارع إلى ملغاة ومعتبرة ومرسلة ، أما الطوفي فإنه يُعرف المصلحة التي يحتج بها كدليل شرعي لهذا التعريف و لا يُقسمها بعد ذلك بحسب اعتبار الشارع  ولا بحسب قوتها في ذاتها ولا بحسب الملاءمة وغيرها ،ولا يَشترط في المصلحة أي شرط زائد على رجوعها إلى المقاصد الشرعية العامة.
أما الإطلاق الثاني: فقد جاء في تعريف الأمدي وفيه : المقصود من شرع الحكم إما جلب مصلحة أو دفع مضرة أو مجموع الأمرين، والمعنى أن المصلحة هي نفس مقصِد الشارع وأن التشريعات إنما جاءت بقصد جلب وتحصيل المصالح .
 والإطلاق الثالث للعز بن عبد السلام يقول فيه : المصالح أربعة أنواع: اللذات وأسبابها، والأفراح وأسبابها، والمفاسد أربعة أنواع: الآلام وأسبابها، والغموم وأسبابها؛ وهي منقسمة إلى دنيوية وأخروية. ويقول في موضع آخر: المصالح ضربان :
أحدهما: حقيقي وهو الأفراح واللذات، والثاني: مجازي وهو أسبابها ، وذلك كقطع الأيدي المتأكلة حفظا للأرواح، و کالمخاطرة  بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات ،فإنها ليست مطلوبة لكونها مفاسد، بل للمصلحة المقصودة من شرعها كالقتل والقطع والرجم، أوجبه الشارع لتحصيل ما يترتب عليها من المصالح الحقيقة وتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبِب.
فالمتأمل في تعريف العز يُلاحِظ أنه جمع في تعريفه للمصالح والمفاسد  بين حقيقتها المقصودة لذاتها حقيقة وبين الوسائل المُفضية إليها مجازا ،فربط في مفهومه للمصالح بين المقاصد والوسائل وهذا التمييز له أهميته من الناحية الاجتهادية لأن التمييز بين المصلحة والمسندة في ذاتها المؤدية إلى كل منهما هو تمييز بين المقصِد في ذاته ، والوسيلة إلى هذا المقصِد ، ويظهر أن تعريفه جمع بين التعريفين قبله .
 والعِزُّ  يرى أن المصلحة تنقسم إلى حقيقة ومجازية ويرى أن المفسدة قد تكون طريقا وسيبا مؤديا إلى المصلحة، وأن المصلحة قد تكون أيضا سيبا مؤديا إلى المفسدة ، وفي هاتين الحالتين يكون اطلاق المصلحة اطلاقا مجازيا، ويدخل في هذا كل ما يلحق الجسم من عمليات جراحية، وقطع الأيدي علاجا وطلب الفعل أو الترك في هذه الحالة يكون من حيث المصلحة المقصودة من شرع الحكم. 



المحاضرة السادسة على هذا الرابط :


المحاضرة السادسة في مادة مقاصد الشريعة دة.هاجر جميل

 إعداد : فريق عمل مدونة كلية الشريعة والقانون

أخيراً كان هذا موضوعنا لهذه التدوينة، ننتظر مشاركتنا برأيك حول الموضوع وبإقتراحاتك لنستفيد منها في المواضيع القادمة وإذا كان لديك أي سؤال أو استفسار لا تتردد في طرحه علينا سوف نكون سعداء دائماً بالرد عليك في أقرب وقت إن شاء الله تعالى .

 تحياتي ومودتي ولاتنس الصلاة على النبي 

الاسمبريد إلكترونيرسالة